لعب ولعب .. حين تتحول خشبة المسرح إلى ساحة لإستعادة الإنسان

Read Time:2 Minute, 3 Second

كتب : إبراهيم علي

لم تكن الألعاب الشعبية يوماً محض أزجال عابرة، أو حركات عبثية لتبديد الوقت، بل هي “الشفرة الوراثية” التي تحفظ للأمة توازنها الوجودي، وفي حضرة العلم وبحثاً عن ملامح الهوية المهددة تحت ركام التكنولوجيا، تأتي ورقة الدكتور محمد جمال الدين أمين، التي قدمها اليوم في الندوة العلمية الدولية، التي عقدتها وحدة المؤتمرات والندوات بأكاديمية الفنون، لتوقظ فينا “الإنسان الفاعل”، حيث قال الباحث إننا اليوم أمام محاولة إسترداد لوعي كاد أن يغيب، وإنعتاق من “سجون الأجهزة”، التي حولت الطفولة إلى أرقام صماء في معادلة الاستهلاك الرقمي.

استقرئ الباحث تجليات “سيميولوجيا اللعبة الشعبية” بوصفها مختبراً لصناعة الهوية في مسرح الطفل المصري المعاصر، وذلك بالتطبيق على عرض لعب ولعب تأليف وإخراج الأستاذ الدكتور حسام عطا، وتناول الباحث فلسفة “الإخراج بالتنظير” عند الدكتور حسام عطا في عرض “لعب ولعب”، معتبراً إياها وثيقة فنية تتجاوز الوعظ المباشر إلى منطقة “الوعي الجمالي الفارق”. يرى الباحث أن العرض حول خشبة المسرح، من حيز مادي إلى مجال حيوي يفيض بالدلالات، محطماً “الجدار الرابع” لتتحول صالة المسرح إلى ساحة لعب كبرى يذوب فيها الفاصل بين الفاعل والمتلقي.

وقد فككك الباحث البنية الدرامية للعرض عبر ثنائية (الإنغلاق السكوني / الإنفتاح الديناميكي)، إذ أن

​عالم “غريب” يمثل حالة الإغتراب النفسي، والعزلة التكنولوجية، وتشييئ العلاقات الإنسانية، و​عالم “الأطفال والشارع”، ويمثل الحاضنة الأولى للاجتماع البشري، حيث اللعب هو اللغة الوجودية التي تعيد ربط الإنسان بجذوره.

يرى الباحث أن التحول من “الإستلاب” إلى “التشارك” في العرض ليس مجرد نهاية تقليدية، بل هو إعادة بناء للبنية الاجتماعية المنهارة، كما أكد الباحث أن كل مفردة في عرض “لعب ولعب” هي “علامة” مقصودة، فالأقنعة والعرائس لا تهدف للزينة، بل هي وسائط جمالية تخترق حدود الواقع لتصل إلى “الخيال المطلق”، كما ذكر الباحث د. محمد جمال الدين أن ظلال منهج “جروتوفسكي” ظهر ويتضح في الإعتماد على “الصدق العضوي” للممثل، حيث يصبح الجسد هو الوسيط الإبداعي الأول بعيداً عن زيف التصنع.

يخلص الباحث إلى أن العرض ينتصر لمثلث (الحق – الخير – الجمال)، فاللعب هنا هو أسمى تجليات الحرية الإنسانية، والشارع هو الفضاء الديمقراطي الذي يعلم قيم التفاوض والتسامح.

​إن ورقة الدكتور محمد جمال الدين أمين هي أكثر من دراسة أكاديمية، وفي النهاية قال الباحث أن هذه الندوة العلمية الدولية تمثل “صرخة في أذن الزمن”، وتأكيد على أن الأمة التي تفرط في ألعابها الشعبية إنما تفرط في جينات قوتها، كما أن الماضي ليس عبئاً ننوح عليه، بل هو “جذور الوعي” التي تمنحنا القدرة على مواجهة عالم مادي متسارع، وإن “لعب ولعب” ليست مجرد مسرحية، بل هي مرآة مصقولة تعكس جوهرنا الإنساني، وتعلن بوضوح أن البقاء دائماً هو لإيقاع الخير والعدل، وأن الفن الصادق هو المسار الوحيد لإستعادة قداسة الحياة.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *