نحب ربنا.. ونحب «السيما».. ما المشكلة؟

Read Time:5 Minute, 50 Second

بدأت ضجة الفيلم المصري «بحب السيما» منذ شهور، حتى قبل بداية نزوله السوق للعرض على الجماهير. وتمثلت الضجة في مجموعة غاضبة تتهم الفيلم بازدراء الأديان وأشياء أخرى، ومجموعة مقابلة تتصيد الفرصة لتنزل بالشجب والتنديد على من أسموهم بالظلاميين الذين يريدون خنق الإبداع، وينحون باللائمة على الغاضبين من المسيحيين، المفترض أنهم أوسع إدراكا من المسلمين ـ (هكذا قال أحدهم) ـ وأن تلك الغضبة المسيحية تشجع الأصولية الاسلامية على أهدافها «الضالة»…إلخ. وبالطبع عامت على وجه الثريد نداءات ساخنة: «لا لتدخل الكنيسة.. لا لتدخل الأزهر في الفن والإبداع»!، وكلما خف أوار المعركة، يندفع من يشعللها من جديد، وآخرهم الدكتور جابر عصفور في مقالاته المتوالية بجريدة القاهرة، تحت عناوين مثل «الكنيسة المصرية تنتقل من الحياد الصامت الى الانحياز المعلن للذين يكرهون السيما». وكنت في هذه المعمعة قد شاهدت الفيلم «بحب السيما» يوم الأربعاء 7 يوليو الماضي، بعد أن قطعت ثلاث بطاقات، لكي يكتمل العدد خمسة ليجوز لإدارة السينما عرض الفيلم في القاعة ذات الـ64 كرسيا. كان واضحا أن هناك قرارا لمقاطعة الفيلم يتنفذ بحذافيره، حتى أنهم لم يجدوا عددا كافيا من المشاهدين يدفع السينما لعرضه، إلا اذا توافر خمسة من المشاهدين كحد أدنى، مما جعلني أحل الأزمة بشراء البطاقات الثلاثة ليكتمل العدد المطلوب! كنت مهيأة لرفض أفكار الفيلم واستنكار تجاوزاته المزعومة، من أول تهمة «إزدراء الأديان»، الى «لماذا كل هذا التشويه لأقباط مصر»، حتى «تحبيذ الخلاعة والخيانة الزوجية والصور العارية وانتهاك قدسية مكان العبادة بالقبلات في أبراجها». لكنني فوجئت بالفيلم يأخذني بالفن النادر الصادق الرحيم، لتتسع دائرته من مجرد أسرة مصرية مسيحية تسكن شبرا، لتأخذ معها أسرة مصرية، الى أسرة عربية، الى أسرة الانسانية بكل مللها وعقائدها وعناصرها وأجناسها. هذا فيلم يدافع عن رحمة الخالق التي كتبها على نفسه، والذي قال في الآية الكريمة رقم 100 من سورة الإسراء: «قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي اذا لأمسكتم خشية الإنفاق، وكان الانسان قتورا».

 

هذا فيلم يصور، من خلال ذكريات طفل من عام 1966حتى 1967، شخصية أب تخوف من الحرام حتى وقع فيه وأوقع من حوله. رجل طيب، مثالي، لم يفهم عقيدته كما يجب، رآها ممنوعات فقط، وحبس عن نفسه وعن عائلته نوافذ الترويح الحلال، بل وفرص الاستغفار بعد ارتكاب الذنوب. صادق لا يكذب، أمين لا يسرق، عطوف يتألم للضعيف ويضرب الفاسد، لكنه لم يدرك أن حرمان زوجة من حقوقها الحلال سرقة كذلك، وكذب، وقسوة لا يجيزها الله ولا يرضى عنها. ولم يدرك أن إرهابه لطفله بنار جهنم على الدوام، تشويه لحقيقة العقيدة ومحبة الله لعباده، فإذا نطق الطفل بالعتاب لربه في كلمات مثل: «إنت معندكش إلا النار، وكله عندك حرام، أنا بحب السيما»، فهذا يعني أن الفيلم يريد أن يبين إلى أي مدى يمكن أن يبلغ خطر الترويع الذي ينتهجه البعض، افتراء على الله، ليبعدوا الناس عن حقيقة العقيدة، وما للعباد من حقوق، هي في ذاتها حقوق الله حين تعطى لعباده.

 

والفيلم لا يحرض على الزنى ولا يدافع عن زلل الزوجة، التي أغواها الشيطان في لحظة عطش مرير، وضعف قاهر أن تقع في «الخطيئة»، فالزوجة في الفيلم هي التي اعترفت بأن ما فعلته خطيئة، وبكت، في مشهد موجع بالكنيسة، مبتهلة الى الله أن يغفر لها ولا ينتقم منها، وهي التي حددت، بسبب شعورها الهائل بالذنب، أن مرض طفلها «نعيم»، هو انتقام من الله جلبته إليه خطيئتها. تابت واستغفرت وبكت وانتحبت، فأين هذا الانحراف الذي يدعونه بـ«انحراف الزوجة»؟ فالفيلم أظهر الأخطاء والخطايا كنتائج للابتعاد عن الفهم الصحيح لوصايا العقيدة وصورة الله اللطيفة، ولم يبررها ولم يدافع عنها كما فعل فيلم سيىء آخر، صفقوا له وانهالوا عليه بالجوائز.

 

«بحب السيما»، فيلم أظهر، ربما لأول مرة في نظري، فن ليلى علوي وقدراتها المبدعة الانسانية من دون صخب وخطابة وبهرجة وافتعال. كما بين لي، كذلك ربما لأول مرة في نظري، الامكانيات الهائلة الكامنة في محمود حميدة في تصويره الفذ لشخصية من أصعب الشخصيات الانسانية التي يجتمع فيها المكروه والمحبوب في سياق درامي واحد. «بحب السيما» صور معاناة «الكبت» من كل زواياها وزواياه، كبت الحكم الناصري للمواطن بفرض «ممنوعات» ما أنزل الله بها من سلطان، وسيطرة القهر بالكذبات الضخمة وترويجها بالطبول والشعارات الجوفاء والفارغة. كبت السلطة، وكبت المياه المقطوعة كل صباح وصعوبة الحياة اليومية، وكبت العلاقات الزائفة التي لا يستطيع أحد أن يصرح بزيفها، وتتبدى نتائج كل هذا «الكبت» في مخالفات يقع فيها الأبرياء، من المراهقين والأطفال، فهذه الفتاة يستدرجها الذي يحبها، وهو شاب كاذب بدين، قليل الحيلة، الى برج الكنيسة، بدعوى أن ترى مطلة على بيتها ثم يغافلها ويخطف من وجنتها قبلة فتصفعه، ثم تلين بضعف محبتها له، ولم يدع الفيلم أن هذا تم بموافقة الكنيسة أو بسبب إهمالها، إنها سرقة مثل كل السرقات التي يمكن أن تتعرض لها أقدس الأماكن وأطهرها، والتي حين يتم اكتشافها يعاقب المسيء أو يؤدب، وهذا أفضل.

 

وتأتي حكاية الصور العارية حين يأخذها الطفل «نعيم» من طفل آخر، سرقها من بالغ في بيته، تأتي في سياق «حب الاستطلاع»، عند الأطفال، والاهتمام بفهم ما هو لديهم غير مفهوم من عالم «الكبار»، أما لحظة عرضه تلك الصور العارية على جده، الغاضب المتجهم، فهي في سياق طريف يدفع الجد إلى الضحك بسبب المفاجأة والدهشة، وليس بسبب الاستجابة المحبذة للخلاعة لدى الحفيد أو الجد. إن أسرة «فوزي»، التي أنتجت وألفت وأخرجت «بحب السيما» استطاعت أن تستفيد ـ ربما ـ من خلفيات فن المخرج الاسكندنافي «انجمار برجمان»، والمخرج الايطالي «فيلليني» وغيرهما، ممن عبروا من خلال أعمالهم عن عقد الذنب، المتولدة من الفهم الخاطئ للعقيدة الدينية، والتي أدت بالنهاية الى الانفلات الكافر بكل كوابح العقيدة المهذبة لجموح الشهوة ودعاوى الهوس الجنسي القبيح، غير أن أسرة «فوزي» الفنانة، إن كانت قد استفادت من تلك التجارب الفنية العالمية المهمة، إلا أنها قدمت تجربتها المصرية المستقلة في الرفض والاحتجاج والإدانة، وهي منحازة الى صحة العقيدة وصالحها، مصوبة الأخطاء بدق الناقوس حتى لا يفلت الرعايا من الساحة المؤمنة.

 

وإنني في غاية الدهشة من هؤلاء الذين كالوا تهم الإفساد والازدراء والتشويه لهذا العمل الفني الفاضل، الذي يضيف مستوى عاليا جديدا لم يسبقه إليه أحد في السينما المصرية، بل والذي هو بذاته «الميدالية الذهبية» لها، وأسائلهم كيف قرأتم رسالة الفيلم بكل ذلك الجحود من جانبكم، بل بأي فهم تتعاملون مع رسالة عقيدتكم الكريمة السمحاء التي تنهي عن الجور والافتراء ورمي الآخر بما ليس فيه، لكنني في غاية الدهشة كذلك من الصائدين في الماء العكر، الذين لا يرون حقا لمرجعية دينية في الدفاع عن عقيدتها. من حق الكنيسة من دون شك أن تتصدى لمن يفتري على دينها الكذب، ومن حق كل مسلم أن يهرع الى علمائه ـ في الأزهر أو غيره ـ ليستغيث بهم لمواجهة من يشوه الاسلام ويخوض في آياته ويتخذها هزوا. سبحان الله، اذا كان من حق اللادينيين أن يساندوا باطلهم ويدافعوا عنه، كيف لا يكون من حق أصحاب العقائد الإيمانية مساندة معتقداتهم والذود عنها؟

 

الغريب أن «بحب السيما»: يحب ربنا ويحب السيما، ورسالته تهدف الى رأب الصدع بين «الدين» و«الدنيا» وليس العكس، وهو مناقض لمن يريد أن يشد الدين بعيدا عن الدنيا، أو يخرج بالدنيا بعيدا عن الدين، فإلامَ الخلف، وهذي الضجة الكبرى علاما؟

 

وفي ملخص قولي: أنا ضد أي منع يصادر رأيا أو فكرة أو اعتقادا، ذلك لأنني أحب أن أرى الوجوه على هيئتها الحقيقية من دون نفاق أو اختباء، ومن دون أن يشق قلب أحد لنعرف أسرار ضميره، لذلك فأنا أكره الصيحات التي تبدأ بكلمات مثل: «كيف تسمحون بـ…»، وهذا لا يعني الموافقة على الشر والخوض والتجاوز، ولكنه يعني تحديد المسؤولية، والله سبحانه وتعالى ترك الشيطان امتحانا للبشر، ولم ينسفه، وهو جل وعلا قادر على ذلك منذ الأزل والى ما لا نهاية!

بقلم/ صافيناز كاظم

28 سبتمبر 2004 العدد 9436

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *