العفو عن العقوبة في مصر الجذور الجنائية للاختصاص السيادي
أسامة شمس الدين
الكاتب والباحث
يكتب
العفو عن العقوبة في مصر الجذور الجنائية للاختصاص السيادي (١)
لم يرد حق العفو عن العقوبة في النظام القانوني المصري بوصفه ابتكارًا دستوريًا حديثًا، بل نشأ قبل التقنين الدستوري بسنوات طويلة داخل البنية الجنائية للدولة. فقد قرره قانون العقوبات المصري الصادر عام 1904 باعتباره اختصاصًا سياديًا لرأس السلطة التنفيذية، الأمر الذي يعكس طبيعة هذا الحق في نشأته الأولى كأداة تنفيذية خالصة، سابقة على فكرة الفصل بين السلطات.
العفو في قانون العقوبات الصادر عام 1904
سبق قانون العقوبات المصري الصادر عام 1904 الدستور المصري لعام 1923 في تقرير حق العفو عن العقوبة، حيث منح هذا الاختصاص للخديوي السلطاني آنذاك بنص المادتين (68، 69). ويكشف هذا الترتيب الزمني عن أن فكرة العفو نشأت في إطار جنائي بحت، دون ارتباط مباشر بتنظيم دستوري أو رقابة برلمانية.
فنصت المادة (68) على منح الخديوي سلطة العفو عن الجرائم ذاتها أو عن العقوبة أو تخفيضها أو إبدالها، بعد أخذ رأي ناظر الحقانية أو مجلس الوزراء بحسب الأحوال. ويُلاحظ أن النص لم يفرّق بين العفو الخاص والعفو الشامل، وهو ما يعكس عدم استقرار المفهوم التشريعي للفصل الوظيفي بين السلطات في تلك المرحلة.
حدود العفو وآثاره الجنائية
جاءت المادة (69) لتضع قيودًا موضوعية على آثار العفو، إذ قررت استمرار بعض التدابير والعقوبات التبعية، مثل الوضع تحت مراقبة البوليس، وعدم شمول العفو للحرمان من بعض الحقوق والمزايا المنصوص عليها في المادة (25) من قانون العقوبات، ما لم ينص قرار العفو على خلاف ذلك.
ويكشف هذا التنظيم عن إدراك المشرّع الجنائي المبكر لخطورة محو جميع آثار الحكم الجنائي، حتى في حال إسقاط العقوبة الأصلية، حفاظًا على النظام العام والاعتبارات الاجتماعية والسياسية المرتبطة بالجريمة.
يتضح من التنظيم الجنائي الأول لحق العفو عن العقوبة أنه كان اختصاصًا تنفيذيًا سياديًا مطلقًا، وإن كان محاطًا بقيود تتعلق بآثاره. غير أن هذا الإطلاق التنفيذي كشف تدريجيًا عن الحاجة إلى إعادة ضبط هذا الحق في إطار دستوري يحقق التوازن بين سلطة الدولة وضمانات العدالة، وهو ما مهد للمرحلة الدستورية اللاحقة.
يتبع في المقال القادم…
أسامة شمس الدين
الكاتب والباحث

سلسلة مقالات رائعه وتعبر عن رؤيه حقيقيه