التصرف في أملاك الدولة الخاصة.. بين حماية المال العام وتقنين الأوضاع
أسامة شمس الدين يكتب :*
صدر القانون رقم 168 لسنة 2025 بشأن التصرف في بعض أملاك الدولة الخاصة ، بهدف توفيق الأوضاع القانونية لحائزي الأراضي ، في خطوة قصد منها الاستجابة لواقعٍ عملي ، تمثّل في أوضاع مستقرة من الناحية الواقعية ، وإن كانت تفتقر إلى المشروعية القانونية ، الأمر الذي استدعى تدخلًا تشريعيًا حاسمًا لمعالجة هذا الخلل . .
وإذا كان الأصل العام في أملاك الدولة هو الحماية ، بينما يُعدّ التصرف استثناءً ، فإن الفلسفة القانونية لهذا القانون تقوم على معادلة دقيقة ومتوازنة ، قوامها الجمع بين حماية المال العام وتحقيق الاستقرار القانوني والاجتماعي لواضعي اليد ممن استقرت أوضاعهم فعليًا قبل تدخل المشرّع . .
ولم يقصد المشرّع من هذا التنظيم إضفاء المشروعية على التعدي ، وإنما استهدف تحويل واقع غير مشروع إلى وضع قانوني مستقر ، متى توافرت شروط الجدية وحسن النية ، وتم سداد المقابل العادل ، وبما لا يُخل ، في جميع الأحوال ، بمقتضيات الأمن القومي أو شئون الدفاع عن الدولة . . ومن ثم ، تمثل فلسفة القانون انتقالًا نوعيًا من مرحلة الفوضى والتراخي إلى مرحلة الحوكمة القانونية الرشيدة ، التي تُوازن بين حق الدولة واعتبارات الواقع الاجتماعي والاقتصادي . .
وقد نظمت المادة الأولى من القانون الحالات التي تقدم بها المواطنون في ظل العمل بأحكام القانون رقم 144 لسنة 2017 ، بالنص على أنه :
«تُحال طلبات تقنين وضع اليد والتظلمات التي قدمت وفق أحكام القانون رقم 144 لسنة 2017 ، والتي لم يتم البت فيها، وكذا التظلمات التي لم تنقضِ مواعيد فحصها حتى تاريخ العمل بأحكام قانون بعض قواعد وإجراءات التصرف في أملاك الدولة الخاصة الصادر بالقانون رقم 168 لسنة 2025 ، إلى لجان البت والتظلمات المشكلة طبقًا لأحكام القانون الأخير ، على أن تُنظر هذه الطلبات والتظلمات وفق الأحكام والإجراءات الواردة به ، مع مراعاة ما يأتي
1 – عدم سداد رسمي فحص أو معاينة جديدين في حال سدادهما من قبل . .
2 – أن يكون أداء مقابل التصرف – في حال قبول طلب التقنين أو التظلم – وفقًا للضوابط المنصوص عليها بقرار مجلس الوزراء رقم 18 لسنة 2017 المشار إليه . .
ويجوز لذوي الشأن الذين رُفضت طلبات تقنين أوضاعهم طبقًا لأحكام القانون رقم 144 لسنة 2017 المشار إليه ، ولم تنقضِ المدة المقررة للتظلم منها ، التقدم بتظلماتهم إلى لجان التظلمات المشكلة طبقًا لأحكام القانون رقم 168 لسنة 2025 خلال خمسة عشر يومًا تبدأ من تاريخ العمل باللائحة المرافقة ، وفقًا للبندين (1، 2) الواردين بالفقرة الأولى من هذه المادة . .
وفي خطوة تُعد الأولى من نوعها ، أتاح القانون لمن رُفض طلب تقنين وضع يده وفق أحكام القانون رقم 144 لسنة 2017 المشار إليه ، التقدم بطلب تقنين جديد . .
وقد حدّد القانون آلية التصرف بطريق الاتفاق المباشر في المادة الثانية منه ، انطلاقًا من فلسفة المشرّع باعتبار أن توفيق الأوضاع يُعد استثناءً من الأصل العام . . إذ نصت المادة (2) من القانون على أن :
” للجهة الإدارية المختصة إزالة التعديات التي تقع على الأراضي الخاضعة لولايتها بالطريق الإداري وعلى نفقة المخالف ، كما يجوز لها التصرف في الأراضي المملوكة للدولة ملكية خاصة بطريق الاتفاق المباشر مع واضع اليد الذي قام بالبناء عليها بالفعل ، أو باستصلاحها أو باستزراعها بالفعل ، وكذلك المتخللات وزوائد التنظيم ، وذلك قبل تاريخ 15/10/2023 ، وبعد موافقة وزارة الدفاع وفق الشروط والقواعد التي تتطلبها شئون الدفاع عن الدولة ”
كما قررت المادة الثانية عدم سريان أحكام قانون تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة الصادر بالقانون رقم 182 لسنة 2018 على هذا التصرف ، إلا فيما لم يرد بشأنه نص خاص في هذا القانون ، وبما لا يتعارض مع أحكامه .
وحددت اللائحة التنفيذية للقانون صور التصرف في الأراضي لواضعي اليد ، سواء بالبيع ، أو بالإيجار ، أو بالإيجار المنتهي بالتملك ، أو بالترخيص بالانتفاع ، وذلك بالنسبة للأراضي المقام عليها بناء مستقر ، أو الأراضي المستصلحة أو المستزرعة ، وكذلك المتخللات وزوائد التنظيم ، مع اشتراط عدم الإضرار بالغير ، أو بالمداخل ، أو بحقوق المرور ، أو بالواجهات . .
وقد استثنت اللائحة صراحة الأراضي الفضاء المحاطة بأسوار ، التي لا يوجد بها بناء ثابت ومستقر ، لعدم توافر حالة واقعية مستقرة تثبت حيازة جادة سابقة على القانون ، كما أكدت إلزامية الحصول على موافقة وزارة الدفاع ، وعدم تعارض أي تصرف مع مقتضيات الأمن القومي أو الطيران المدني . .
وفيما يخص إثبات تاريخ الاستغلال ، فقد حدّدت اللائحة التنفيذية البعد الزمني للتصرف ، بأن قصرت سريان أحكام التقنين على الحالات القائمة والمستقرة قبل تاريخ 15/10/2023 ، باعتباره معيارًا زمنيًا لتطبيق أحكام المادة الثانية من القانون والمادة الثالثة من اللائحة التنفيذية . . فلا يُعتد بأي إشغال أو وضع يد لاحق على هذا التاريخ ، وهو ما يحقق حماية المال العام ، ويضبط نطاق الحقوق ، ويمنع التحايل أو خلق مراكز قانونية مصطنعة . .
وتُعد المادة الثانية من القانون الركيزة الأساسية في منظومة تقنين أوضاع واضعي اليد على أملاك الدولة الخاصة ، إذ تحدد نوعية التصرف المسموح به ، والفئات المستحقة ، والشروط الجوهرية اللازمة لإتمام التصرف . . ويُظهر الربط بينها وبين اللائحة التنفيذية أن القانون رسم الإطار العام ، بينما تولت اللائحة وضع الأدوات الإجرائية التفصيلية ، كالفحص والمعاينة والتقييم ، وضوابط عدم الإضرار ، واشتراطات الدفاع الوطني . .
ويضمن التطبيق المنضبط لأحكام المادة الثانية حماية متطلبات الأمن القومي ، ويُسهم في تقليل النزاعات العقارية ، ويُمكّن الجهات الإدارية من إدارة أملاك الدولة الخاصة بصورة منظمة وممنهجة ، مع غلق الباب أمام تقنين الأوضاع غير الجادة .
* كاتب وباحث

Average Rating