د. نبيلة حسن قيادة واعية توظف خبرات الكبار لصناعة جيل فني جديد
بقلم : محمد جمال الدين
تمر المؤسسات التعليمية في العالم اليوم بمرحلة دقيقة، تتطلب تحقيق معادلة شديدة الحساسية بين التجديد والاستمرارية، بين طاقات الشباب المتدفقة وخبرات الكبار المتراكمة عبر عقود طويلة من العمل والعطاء، فالعملية التعليمية ليست مجرد نقل معلومات جامدة، بل هي بناء معرفي وثقافي وفني يتشكل عبر تراكم الخبرات والتجارب، وهو ما يجعل الاستعانة بالخبراء وأصحاب التجارب الطويلة ضرورة لا غنى عنها، خاصة في المؤسسات ذات الطبيعة التخصصية الدقيقة، ومن هنا تبرز أهمية الاستفادة من الخبرات العلمية والعملية لمن تجاوزوا سن الستين، فهم يمثلون مخزونًا معرفيًا وتجريبيًا هائلًا لا يمكن تعويضه بسهولة، إذ إن المؤسسات التعليمية الكبرى لا تنظر إلى العمر بوصفه عائقًا، بل ترى فيه تراكمًا للخبرة والنضج الفكري والمهني، وهو ما يجعل هؤلاء الخبراء قادرين على الإسهام بفاعلية في تطوير العملية التعليمية، وإثراء الأجيال الجديدة بالمعرفة والخبرة معًا.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الجامعات والمؤسسات التعليمية الرائدة تحرص على الاستفادة من خبرات الأساتذة بعد بلوغهم سن التقاعد، سواء عبر نظام الأستاذ المتفرغ أو المستشار الأكاديمي أو الخبير العلمي، فالعلم والمعرفة لا يتوقفان عند سن معين، بل قد يبلغ الأستاذ ذروة عطائه الفكري والبحثي في هذه المرحلة التي يكون فيها قد جمع بين الخبرة العلمية والتجربة العملية، فالخبراء الذين أمضوا عقودًا في الإبداع الفني والعلمي يمتلكون قدرة فريدة على الربط بين النظرية والتطبيق، وعلى نقل الخبرات المتراكمة للأجيال الجديدة بطريقة لا يمكن أن توفرها الكتب أو المناهج وحدها، كما أنهم يمثلون ذاكرة المؤسسات العلمية والثقافية، ويحملون معها تقاليدها الأكاديمية وقيمها المهنية، ولهذا فإن الاستفادة من خبراتهم لا تمثل مجرد خيار إداري، بل ضرورة علمية وتعليمية لضمان استمرارية الجودة الأكاديمية وتطوير العملية التعليمية.
إن الدعوة إلى الاستعانة بالخبراء فوق سن الستين لا تعني على الإطلاق إغلاق الباب أمام الشباب أو التقليل من أهمية دورهم في المؤسسات التعليمية، بل على العكس تماما، فالشباب هم طاقة المستقبل ومحرك التطوير والتجديد، غير أن التجربة الناجحة في المؤسسات الكبرى تقوم على التكامل بين الأجيال لا الصراع بينها، فالشباب يمتلكون الحماس والطاقة والقدرة على مواكبة التقنيات الحديثة، بينما يمتلك الخبراء الحكمة والتجربة والرؤية العميقة التي صقلتها سنوات طويلة من العمل، وعندما يجتمع هذان العنصران داخل المؤسسة التعليمية تتحقق بيئة أكاديمية متوازنة تجمع بين روح الابتكار وعمق الخبرة، إذ إن نقل الخبرات بين الأجيال يعد أحد أهم مقومات استدامة المعرفة، وهو ما تسعى إليه السياسات التعليمية الحديثة في مختلف دول العالم، حيث يتم تشجيع برامج الإرشاد الأكاديمي والتوجيه العلمي التي يقوم فيها الأساتذة أصحاب الخبرة بتوجيه الشباب ومساعدتهم على تطوير مهاراتهم الأكاديمية والمهنية.
وتزداد الحاجة إلى الخبرات المتراكمة بصورة أكبر في المؤسسات التعليمية ذات الطبيعة الفنية والثقافية، مثل المعاهد المتخصصة في الفنون المسرحية والموسيقى والسينما والباليه وغيرها من الفنون، فهذه التخصصات لا تعتمد فقط على المعرفة النظرية، بل تقوم أساسًا على الخبرة العملية والتجربة الإبداعية التي تتراكم عبر سنوات طويلة من الممارسة، إذ إن الأستاذ في هذه المجالات لا ينقل مجرد معلومات، بل ينقل خبرة فنية وجمالية وثقافية تشكلت عبر مشاركاته في العروض والمشروعات الفنية المختلفة، ولذلك فإن وجود الخبراء من أصحاب التجارب الطويلة داخل هذه المؤسسات يمثل قيمة تعليمية وثقافية كبرى، حيث يتيح للطلاب التعلم المباشر من تجارب حقيقية في الحياة الفنية.
تعد أكاديمية الفنون واحدة من أهم المؤسسات التعليمية والثقافية في العالم العربي، حيث لعبت منذ تأسيسها دورًا محوريًا في إعداد أجيال من الفنانين والمبدعين الذين أسهموا في تشكيل الحركة الفنية والثقافية في مصر والعالم العربي، وقد أدركت الأكاديمية عبر تاريخها أهمية الحفاظ على الخبرات الفنية التي تمتلكها، فحرصت على الاستفادة من كبار الخبراء في مختلف معاهدها، بما يسهم في نقل التجارب الفنية والمعرفية إلى الأجيال الجديدة من الطلبة والطالبات، واستمرار هذا النهج يعزز من مكانة الأكاديمية كمؤسسة تعليمية رائدة تجمع بين الأصالة والتجديد، وتعمل على بناء جيل جديد من المبدعين مستندًا إلى خبرات علمية وفنية راسخة.
ولا يمكن الحديث عن تطوير المؤسسات التعليمية دون الإشارة إلى دور القيادة الواعية التي تمتلك رؤية استراتيجية واضحة تدرك أهمية الاستثمار في الإنسان والخبرة معًا، وفي هذا السياق يبرز الدور الذي تقوم به الدكتورة نبيلة حسن منذ توليها المسؤولية داخل أكاديمية الفنون، فقد اتسمت رؤيتها بوعي عميق بطبيعة المؤسسات الفنية واحتياجاتها، حيث تعمل على إحداث نقلة نوعية في منظومة التعليم الفني داخل الأكاديمية، من خلال تطوير المناهج والبرامج التعليمية، وتوسيع مجالات التعاون الفني والثقافي، والاهتمام بتوفير بيئة تعليمية قادرة على اكتشاف المواهب وصقلها، كما يظهر في إدارتها تقدير واضح لقيمة الخبرات العلمية والفنية التي تمتلكها الأكاديمية، وإيمان حقيقي بضرورة الاستفادة منها في دعم العملية التعليمية ونقلها إلى الأجيال الجديدة من الطلاب، وهو توجه يعكس رؤية ثاقبة تدرك أن بناء المستقبل لا يتم فقط عبر الأفكار الجديدة، بل عبر الاستفادة من الخبرات التي صنعت تاريخ المؤسسة وأسهمت في تشكيل هويتها.
إن الاستفادة من الخبراء فوق سن الستين لا تمثل مجرد تكريم لتاريخهم الفني والمهني، بل هي استثمار حقيقي في مستقبل المؤسسات التعليمية، فكل تجربة علمية أو فنية عاشها هؤلاء الخبراء تمثل درسًا يمكن أن يختصر سنوات طويلة من التجربة أمام الأجيال الجديدة، ومن هنا فإن المؤسسات التعليمية التي تنجح في بناء جسور حقيقية بين الأجيال هي الأكثر قدرة على التطور والاستمرار، فالمعرفة لا تنتقل فقط عبر الكتب والمناهج، بل تنتقل أيضًا عبر الحوار والتجربة والممارسة، وهو ما يوفره وجود الخبراء داخل المؤسسات التعليمية.
إن الاستفادة من خبرات الخبراء والفنانين الذين تجاوزوا سن الستين تمثل ضرورة علمية وثقافية لا يمكن إغفالها، خاصة في المؤسسات التعليمية المتخصصة التي تعتمد في جوهرها على تراكم التجربة والمعرفة، فالخبرة ليست عبئًا على المؤسسات، بل هي أحد أهم مصادر قوتها واستمراريتها، ولعل ما تقوم به أكاديمية الفنون من إتاحة المجال للاستفادة من خبرات كبار الخبراء يمثل نموذجًا مضيئًا في إدارة المؤسسات التعليمية، ويعكس فهمًا عميقًا لطبيعة العملية التعليمية ومتطلباتها، كما أن الجهود التي تبذلها الدكتورة نبيلة حسن في تطوير الأكاديمية تؤكد وجود قيادة تمتلك رؤية طموحة وإرادة حقيقية لإحداث نهضة تعليمية وفنية شاملة، تجمع بين طاقات الشباب وخبرات الرواد في منظومة واحدة متكاملة، وإذا كانت الأمم تبني مستقبلها بالعلم، فإنها تبنيه أيضًا بالحفاظ على خبراتها وتقدير رموزها العلمية والثقافية، ومن هنا فإن استمرار هذا النهج داخل أكاديمية الفنون سيظل خطوة مهمة نحو ترسيخ تقاليد أكاديمية راسخة تضمن انتقال الخبرة والمعرفة من جيل إلى جيل، بما يخدم الفن والثقافة والمجتمع بأسره.

Average Rating