فلسفة الوعي.. أحمد سويلم في محراب مؤتمر نادي القصة لأدب الطفل العربي
بقلم : د. محمد جمال الدين
يقف العالم المعاصر اليوم على الحافة الفاصلة بين فيض التكنولوجيا المعولمة، وبين مستحقات الحفاظ على الذاتية الثقافية والخصوصية الحضارية، وهي تماوجات لا تصيب بهزاتها البنى الفكرية للبالغين فحسب، بل إنها تتوغل توغل عميقاً لتعيد تشكيل الوعي البكر، وعقلية الطفل العربي التي باتت مكشوفة أمام تدفقات الذكاء الاصطناعي وجاذبية الميتافيرس الطاغية، وفي ظل هذه التحولات الوجودية المتسارعة، ينبري “المؤتمر العلمي الثالث لأدب الطفل العربي” ليمثل حائط صد معرفي، ومنارة استشرافية تحاول جاهدة تفكيك هذا الواقع المأزوم بوعي فلسفي رصين، إذ لا يكتفي هذا المحفل الفكري بالوقوف عند عتبات التلقي السلبي للمنتج الغربي، بل يسعى إلى إعادة صياغة خيال الطفل العربي، وبناء آليات نقدية توازن بين أصالة الجذور وهوياتنا الثقافية المتجددة، وبين الآفاق السيبرانية اللامتناهية.
إن هذا المؤتمر الذي يستعد لتستقبله قاعات المجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا المصرية في الفترة من الثامن والعشرين وحتى الثلاثين من يوليو القادم، لا يعد مجرد تظاهرة ثقافية عابرة، بل هو مختبر سيميولوجي وفلسفي، يبحث في بنية النص الموجه للطفل بوصفه ركيزة تربوية قادرة على مجابهة التحيزات الوافدة وتطوير أدوات المواجهة المعرفية.
إن نجاح البنى النقدية والثقافية في تحقيق مستهدفاتها الفلسفية يرتكز بالضرورة على تضافر الجهود المؤسسية، وتكامل الأدوار القيادية، وهو ما تجلى بوضوح في التخطيط لهذا المؤتمر، حيث ينهض نادي القصة بالقاهرة برئاسة الكاتب الكبير محمد السيد عيد، بمسؤوليته التاريخية في رعاية هذا المحفل بالتعاون المشترك والمثمر، مع المجلس الأعلى للثقافة بقيادة أمينه العام الدكتور أشرف العزازي، مما يعكس وعياً عميقاً بضرورة مأسسة الفعل الثقافي الموجه للطفل، وتكتمل هذه المنظومة التنظيمية والفكرية بوجود الشاعر والكاتب الكبير عبده الزراع كأمين عام للمؤتمر وسكرتير عام لنادي القصة، وهو الذي يمتلك رؤية وخبرة واسعة في إدارة المسارات الإبداعية، مدعوماً برؤية أكاديمية صارمة لضبط مسارات التقييم البحثي، يقودها الأستاذ الدكتور محمود عسران برئاسته للجنة التحكيم، وهذا التناغم بين المؤسسة الإبداعية والغطاء الأكاديمي يمنح المؤتمر شرعية فكرية تتيح له تحويل قاعاته على مدار ثلاثة أيام إلى ساحات للحوار المعرفي الرصين، والإشتباك الحقيقي مع الأسئلة المعقدة التي تطرحها الرقمنة على العقل العربي الناشئ.
تأتي قائمة تكريمات هذه الدورة الإستثنائية لتعكس رؤية فلسفية ترى في التكريم فعلاً من أفعال الوفاء المعرفي، وجسراً سيميولوجياً يربط الإرث التليد بآفاق المستقبل الشاسع، حيث تشهد هذه الدورة احتفاءً متميزاً برموز حفرت قيم الحق والجمال في الوجدان الإنساني، وتتجلى هذه القيمة الفلسفية أولاً في حمل المؤتمر لاسم رائد أدب الطفل العربي الكاتب الراحل عبد التواب يوسف، تكريماً لإرثه الفكري والقصصي الممتد الذي شكل عقول أجيال متعاقبة، وكان بمثابة حجر الأساس للأدب الطفولي المتخصص، كما يمتد هذا الوفاء ليرسخ ملامح الرواد المبدعين من خلال تكريم الكاتب الكبير جار النبي الحلو، تقديراً لخصوصية عالمه القصصي الملهم، وقدرته الفذة على ملامسة عوالم الطفولة البريئة بلغة تجمع بين البساطة والعمق الفلسفي، وجنباً إلى جنب مع الإحتفاء بالراحلين الباقين بأثرهم النبيل كالشاعر الراحل سمير عبد الباقي، الذي ترك بصمة شعرية وإنسانية حية لا تنمحي في سجل الإبداع الموجه للصغار.
ولأن الوعي صيرورة متكاملة، يمتد درع التكريم ليشهد احتفاءً خاصاً بدور النشر الوطنية التي آمنت برسالة المؤتمر، وقدمت دعماً حقيقياً لدفع عجلة الثقافة التربوية نحو مستقبل أكثر إشراقًا، وفي ملمح فلسفي متجدد يشي برغبة المؤتمر في توسيع أطره المعرفية، يأتي التقليد الفكري الجديد الذي يستنه المؤتمر بدءاً من هذه الدورة، متمثلاً في تخصيص تكريم سنوي لكاتب أو باحث عربي، تأكيداً على وحدة النسيج الثقافي العربي، وتكامل أطروحاته النقدية والإبداعية في مواجهة التحديات الفكرية الحديثة، ويمثل مكرم هذه الدورة الباحث والناقد الجزائري الكبير العيد جلولى، وهو ما يحمل إشارة بليغة ودلالة سيميائية عميقة على عمق الروابط الأكاديمية والنقدية الفاعلة، ويؤكد أن معركة الوعي القادم هي معركة عربية مشتركة، تتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة لتصنع فضاءً نقدياً موحداً يملك أدوات تفكيك الخطاب الموجه للطفل وتحصينه ثقافياً.
تتوهج هذه الدورة من المؤتمر بحدث نقدي وإبداعي لافت، يتمثل في الجمع الإستثنائي بين منصة الرئاسة والتكريم الإستحقاقي للشاعر والكاتب الكبير أحمد سويلم، رئيس المؤتمر، حيث يأتي هذا التكريم ليس بوصفه بروتوكولاً عابراً، بل باعتباره تقديراً فلسفياً ونقدياً لدوره الريادي والتاريخي الكبير والممتد في حقل أدب الطفل، إذ وضع لبنات أساسية في صرح الإبداع الموجه للصغار، ويمثل أحمد سويلم في المشهد الثقافي العربي حالة من التفرد والخصوصية، إذ نجح عبر مسيرته الحافلة في خلق توليفة إبداعية فريدة تجمع بين أصالة الشاعر المحلق بجناحي المجاز، وبين دقة الناقد والمفكر التربوي الذي يدرك بدقة الأبعاد النفسية والمعرفية للمتلقي الصغير، وهذا الجمع بين رئاسة المؤتمر وتكريمه يعكس إجماعاً نقدياً على أن سويلم ليس مجرد صانع نصوص، بل هو باني اتجاه ورائد مدرسة فكرية تمكنت من زحزحة السائد في أدب الطفل، وتأصيل جماليات جديدة تتجاوز السرد التقليدي المباشر.
تتبدى جماليات الأسلوبية في أدب الطفل عند أحمد سويلم، في قدرته الفائقة على تطويع اللغة الشعرية لتصبح أداة لبناء المعرفة دون السقوط في فخ الوعظ والإرشاد الفج، فهو يعتمد تقنيات أسلوبية تعلي من شأن الصورة والرمز، مستلهماً في كثير من الأحيان عناصر التراث الشعري والتاريخي، ومصيغاً إياها في قوالب حداثية تناسب العقلية المعاصرة للطفل، وتتميز الخصائص الفنية لإبداعه بالمرونة الموسيقية العالية، واختيار الأوزان الشعرية التي تحرك الساكن في وجدان الطفل، وتنمي لديه الحاسة الجمالية والتذوق اللغوي الرفيع، كما إن تفرد سويلم يكمن في ذكائه التقني القائم على مفارقة الدهشة، وإقتناص اللحظات الإنسانية النبيلة، وتضمينها في سياقات سردية وشعرية مشبعة بقيم الحق والخير والجمال، فهو لا يكتب للطفل من برج عاجي، بل يتسلل إلى عوالم الصغار برهافة الشاعر وخبرة العارف، ليقدم نصاً سيبرانياً وتربوياً في آن واحد، نصاً يستفز خيال الطفل ويدفعه نحو التساؤل والبحث، بدلاً من الركون إلى الأجوبة الجاهزة، مما جعل من اسمه رقماً صعباً وعلامة فارقة في تاريخ أدب الطفل العربي.
إن المؤتمر العلمي الثالث لأدب الطفل العربي، بكل ما يحمله من زخم فكري وبيانات واسماء وقامات إبداعية، يضعنا أمام مسؤولية تاريخية وحضارية لا تحتمل التأجيل أو المواربة، إذ إن مخرجات هذا المحفل وجلساته المرتقبة بدار الأوبرا المصرية يجب أن تؤسس لميثاق نقدي وإبداعي جديد، ينتشل عقل الطفل العربي من الإستلاب الرقمي السلبي، ويدفع به نحو آفاق التفاعل الخلاق والمثمر مع التكنولوجيا الحديثة، وعليه أعتقد النجاح الكبير الذي من المتوقع أن يحققه المؤتمر في دورته الجديدة، ومن خلال تكريماته الواعية، والتي تساهم في خلق مشهد تكاملي يربط عبقرية الرواد كعبد التواب يوسف وسمير عبد الباقي وجار النبي الحلو، بفرادة وريادة أحمد سويلم، وبعمق الأطروحات النقدية العربية التي يمثلها العالم الكبير الدكتور العيد جلولى، لتلتقي كل هذه الروافد في مصب واحد يهدف إلى حماية الهوية وتنمية الخيال، لتظل الثقافة التربوية العربية قادرة على صياغة وجدان أطفالنا، وبناء إنسان الغد المتوازن، المتجذر في تربته الحضارية، والمحلق في سماوات المستقبل الرقمي بكل ثقة وإقتدار.

Average Rating