د. هالة فودة تكتب:
أكتب هذا البوست بناءً على طلب الكثيرين، وبعد سؤالهم لي عن قضية الكتاب المسروق، وبعد كل اللغط المثار حول مشروعية “الاقتباس” وحدوده.
أولاً: بصفتي أستاذة جامعية متخصصة في الأدب الفرنسي والأدب المقارن.
ثانياً: لأني شاركت بفصل في كتاب “القاهرة الملكية” عن “الثقافة الفرنسية في القاهرة الملكية”، وتطرقت فيه للكُتاب المصريين الذين كتبوا أعمالهم بالفرنسية، ومن ضمنهم قوت القلوب الدمرداشية.
وثالثاً: لأني قرأت الكتابين محل النزاع.
وكنت أظن أن الرأي الفصل هو حكم المحكمة البات القاطع، لكن إلحاح الكثير من الأصدقاء يجعلني أنشر شهادتي، لعلهم يجدون فيها ما يفيد بصفة عامة عن أبجديات الكتابة، وحدود الاقتباس، ومنهجية البحث العلمي.
ملاحظات أولية:
على الرغم من كثرة المراجع الفرنسية عن قوت القلوب، إلا أنها كلها تتناول إنتاجها الأدبي فقط بالبحث والتحليل، بينما كتاب الأستاذة سهير عبد الحميد يتطرق لسيرتها الحياتية المثيرة والجديرة بالاهتمام. وأهم ما يميز الكتاب أنه يتضمن معلومات تندرج تحت تصنيف الصحافة الاستقصائية، جمعتها الكاتبة من مصادرها المباشرة ولقاءات مع حفيد قوت القلوب، ومع المسؤول عن الطريقة الدمرداشية، ومن داخل بيت قوت القلوب، وهو ما يُعتبر سبقًا وتفردًا في المعلومات يُنسب لصاحبته.
قوت القلوب كانت أول سيدة مصرية تكتب كل رواياتها باللغة الفرنسية وتنشرها في فرنسا مع Gallimard، أكبر دار نشر فرنسية، ويكتب مقدمات رواياتها كُتاب كبار مثل Jean Cocteau وPaul Morand وAndré Maurois، ويشيدون بكتاباتها المغرقة في المحلية والمكتوبة بلغة فرنسية بليغة.
قوت القلوب كانت سيدة مجتمع مرموقة، أثرت الحياة الثقافية بصالونها الأدبي وبدورها المجتمعي في دعم الكُتاب المصريين. ومنحت لنجيب محفوظ أول جائزة يحصل عليها عن رواية “رادوبيس”، وكانت السبب في خروجه من حالة اليأس التي شعر بها لعدم الالتفات إلى كتاباته.
أما كتاب الوزيرة المستقيلة، فهو قائم على مقارنة هذه السيدة الفريدة بكوكو شانيل، صاحبة بيت الأزياء الشهير. وهي فرضية مقارنة جعلتني أتساءل قبل القراءة عن زاوية المقارنة، وليس فقط عن مدى “الاقتباس” الموجود من كتاب الأستاذة سهير. والحقيقة أنني بعد القراءة لم أجد ما يقنعني بالتشابه بين كوكو شانيل وقوت القلوب، ولم أجد نقاط تقاطع بين الاثنتين تستدعي هذه الدراسة المقارنة، فإشكالية البحث لم تكن مقنعة بالنسبة لي.
لم أجد في سيرة كوكو شانيل المذكورة في الكتاب أي جديد عما شاهدناه في مسلسل Coco Before Chanel، الذي تناول قصة حياتها من قبل، وأذيع على نتفليكس.
لم أجد في كتاب الوزيرة المستقيلة أي معلومة جديدة عن قوت القلوب لم تذكرها الأستاذة سهير في كتابها.
الكتاب مبني على نقل مباشر من المسلسل ومن كتاب الأستاذة سهير، دون إضافة أو محاولة ربط مقنعة بين الشخصيتين.
الإشارة إلى كتاب الأستاذة سهير في الهوامش لا يجيز للوزيرة المستقيلة حرية النقل كما تشاء، فأي طالب جامعي يعلم حدود الاقتباس من النص الأصلي وعدم جواز النقل بكثافة من مصدر، الأمر الذي يضعه في خانة السرقة العلمية (Plagiarism) ويعرض البحث للرفض. وهذه مبادئ كتابة البحث العلمي التي نقوم بتدريسها للطلبة.
الكتاب يخلو من الهوامش (Footnotes / Endnotes)، والاقتباسات تأتي على طريقة: “تؤكد الكاتبة سهير عبد الحميد في كتابها أن…”، فلا نعلم حدود الاقتباس من النص المنشور.
الكتاب، في المجمل، خفيف؛ يقع في 117 صفحة من القطع الصغير، ومليء بالصور، ويفتقر إلى منهجية البحث العلمي وأبجدياته، ويخلو من أي وجهة نظر للباحث، ومن أي إضافة تؤخذ في الاعتبار وتُحسب له، مما يعزز ما قيل عن وجود كاتب ظل لا يجيد أصول الكتابة الأكاديمية والبحثية، وليس أستاذة جامعية حاصلة على درجة الدكتوراه.
يشير الكتاب، في الصفحة 88، إلى علاقة بين كوكو شانيل وضابط نازي وقت الحرب العالمية الثانية، أدت بعد انتهاء الحرب إلى “توقيف كوكو واستجوابها حول علاقتها مع الضابط الألماني، ورغم أنه لم يوجَّه لها تهمة التخابر رسميًا، فإنه لا يزال البعض ينظر إلى علاقتها مع الضابط النازي كخيانة لبلدها”. أليست هذه خيانة أن تكون على علاقة بالمحتل؟
الكتاب صادر عن الهيئة العامة للكتاب، وهذه النقطة تحديدًا تدفعني إلى استخلاص نتيجة مهمة أتمنى أن يتم الالتفات إليها مستقبلًا: إذا كانت بعض دور النشر الخاصة تسمح لنفسها بنشر الغث والتافه من الأعمال، وتسعى لرواج تجاري يعتمد على اسم الكاتب أو هوى القارئ دون تدقيق في المحتوى، فلا يليق بدار نشر لها اسمها وتاريخ طويل من نشر أعمال جادة ومهمة أن تحذو هذا الحذو دون تدقيق في محتوى ما تنشره من أعمال هزيلة. هذه سقطة كبيرة، وإهدار للمال العام (خصوصًا بعد منع الكتاب من التداول)، يستوجب المحاسبة والتحقيق.










Leave a Reply