القيادة فن

هذا ما تعلمناه في الماضي، وسيظل هذا المثل الحي عنوانًا للقائد الذي يدير منظومة العمل دون صدام، بمعنى آخر: تحقيق أكبر قدر من الإنجازات دون خسائر، وبأقل تكلفة.

ليست حسبةً برما، وليست معضلة، ولكن من يملك مقومات القيادة التي تؤدي إلى الريادة، بعيدًا عن قواعد التنمية البشرية ورواد الميديا الذين يمنحون الشهادات متعددة الأسماء والمسميات.

تظل القيادة لها رجالها، وقديمًا قالوا: ليس كل من ركب الحصان خيالًا.

عرفت قيادات تاريخية تركت بصمات لا تُمحى، من خلال احترام الرئيس والمرؤوس، والاجتهاد في ترسيخ كل القيم النبيلة، ودفع الضرر عمن يقع تحت قيادته. كانوا نبلاء، قدموا دون انتظار لكلمة شكر، وضحوا احتسابًا لوجه الله تعالى، دون انتظار لمغنم.

وربما غاب عن الكثيرين الأسباب التي تؤدي إلى منظومة عمل مفككة، أولها:

أولًا: فشل القائد، واختياره من المقربين أو من أهل الثقة، أو من يمتلكون فنون الكلام المعسول دون دراية بقدرات ومقومات القائد.

ثانيًا: التعالي والتكبر على من يتعاملون معه، ظنًا منه أنه يمتلك مكانة، وهذا وهم ثبت زيفه. فقد تعلمنا أنه كلما ارتفعت، ضعف الكرسي، ومن السهل الإيقاع به.

ثالثًا: تهميش المحيطين به ممن يملكون مقومات الريادة، والاستعانة بالضعفاء، ومحاباة شريحة دون أخرى، وتقزيم دور النبلاء.

رابعًا: الإدارة بنظام رد الفعل، وعدم وجود رؤية ابتكارية ومستقبلية، إلى آخر الأسباب المحبطة لفريق العمل، وخلق جو تصادمي يستنزف الوقت والتفكير.

خامسًا: الجهل المركب مع ادعاء المعرفة، وخلق جو من الرعب بين العاملين، وبث الفرقة بين المرؤوسين.

عشنا أيامًا تعاملنا فيها مع قيادات تركت أثرًا، وصنعت فريقًا ثانيًا وثالثًا، ولم يتعمد أحدهم تجريف البيئة من الكوادر من خلال وأد طموحاتهم وقتل المواهب المدفونة.

رحل غالبيتهم إلى العالم الآخر، وما زال الأحياء منهم يُشار إليهم بالبنان، وليس هناك أجزل من رؤية إحدى ابنتي شعيب، وهي تقول لأبيها، كما جاء في القرآن الكريم:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.

القوة بمعناها الأسمى: قوة التفكير واستشراف المستقبل، والأمانة بمفهومها الأوسع، وخلق جو من الوئام بين من يعملون تحت قيادته.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

الشيخ / سعد الفقي

كاتب وباحث

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *