بقلم : د. محمد جمال الدين
إن اللحظة الراهنة التي يمر بها المجتمع المصري، والتي تتجلى بوضوح في “موسم الامتحانات”، ليست مجرد حالة عابرة من التوتر القلق، بل هي تعبير صارخ عن أزمة وجوديةٍ عميقة ضربت بنيان الأسرة في مقتل، فما نراه من انهيار عصبي، وحالات إغماء، وصرخات إستغاثة تعلو مع كل ورقة إمتحان، ليس وليد “صعوبة المنهج” أو “تعسف الوزارة” كما يُراد تصويره، بل هو الوجه الآخر لانهيار منظومة قيمية وأخلاقية غابت عنها بوصلة التربية الحقيقية، وحلت محلها عقلية الهروب من المسؤولية.
لقد تحولت امتحانات الثانوية العامة إلى “محكمة تفتيش” عامة، حيث يجد ولي الأمر في محاولة بائسة لستر عجزه التربوي شماعة مثالية يعلق عليها خيبات أمله “الامتحان صعب”، “النظام فاشل”، “الوزير لا يفهم”، “الغشاش هو الناجح”، إذ إن هذا السلوك يُعد آلية دفاع نفسية بامتياز، يمارسها العقل الجمعي ليبرر الفشل، فبدلًا من مواجهة الحقيقة المرة بأن البناء التربوي قد تآكل، يتم تصدير الأزمة للخارج، إذ إن تصوير الطالب كضحية وحيدة للنظام التعليمي هو تزييف للوعي، فالحقيقة هي أن الطالب بات نتاجاً لتربية أفرغت العلم من قدسيته، وحولته إلى “سلعة” لغرض الوجاهة الاجتماعية، لا لبناء عقل نقدي قادر على مواجهة الصعاب، لقد فقد الطالب، بتواطؤ مع الأسرة، القدرة على المثابرة، لأن مفهوم “الجهد” غاب لصالح مفهوم “النتيجة السريعة”، فصار الإنهيار هو الملاذ الوحيد حينما لا تتحقق الأماني دون بذل حقيقي.
إن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا يتجاوز حدود التعليم ليصل إلى جوهر العقد الاجتماعي في الأسرة، ما معنى الزواج؟، وما معنى الإنجاب؟، لقد كشفت أزمة الثانوية العامة أن الكثير من الزيجات تمت في غيابِ وعيٍ حقيقي بمسؤولية التنشئة، فصار الإنجاب “حالة طبيعية” لا تسبقها إرادة واعية بالبناء، ولا يلحقها فهم لمتطلبات إعداد إنسان سوي نفسياً وأخلاقياً، فتحول البيت من “ملاذ تربويّ” يغرس قيم الصبر، والأمانة، والعزة المستمدة من العملِ، إلى “معسكر ضغط” يلاحق أرقاماً ومجاميع، غافلين عن أن الإنسان الذي لا يتربى على مواجهة الصعاب في الصغر، سينهار أمام أولِ
تحد يواجهه في الكبر، علاوة على تلاشي التربية في زحام المظاهر، وتراجع صحيح الأديان ليحل محله تدين شكلي لا أثر له في السلوك، وصار الغش والتحايل أسلوب حياة يمارسه الطالب ويبرره الأهل تحت ضغط “المنافسة غير الشريفة”، والنتيجة إننا أمام جيل لم يتعلم كيف يفشل، لأن أهله لم يعلموه أن القيمة في السعي، لا في الغاية الملطخة بالفساد.
إن ما نعيشه الآن ليس مجرد أزمة تعليم، بل هو جرس إنذار لمجتمع فقد بوصلته الأخلاقية، وعليه فإن الأوان قد آن لكي تتوقف الأسر المصرية عن لعب دور الضحية، وأن تراجع ذاتها في “وقفة ضمير” شجاعة ومؤلمة، وعلى الأسرة أن تدرك أن بناء الإنسانِ يبدأ من غرس القيم لا من حشو العقول، وأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بنسبة مئوية في شهادة، بل بمدى صمود الفرد أمام الحق والباطل، إذ إن المخرج من هذه الأزمة لا يكمن في تغيير الوزير أو تعديل الامتحانات، بل في ثورة أخلاقية داخل كل بيت، تعيدُ للتربية مكانتها، وللعلم قدسيته، وللإنسان كرامته التي لا ترتبط بـ “ورقة امتحان”، فهل من مجيب لنداء الوعي، أم سنظل أسرى لدوائر العجز وتبرير الفشل؟، إن المستقبل لا يُبنى بالشكوى، بل بالتربية التي تصنع الرجال والنساء القادرين على مواجهة الحياة بشرف وإستحقاق.













Leave a Reply