كتب : محمد جمال الدين
لم يكن الفن يوماً مجرد أداة لتزجية الوقت أو ترفاً هامشياً في مسيرة الأمم، بل هو الجوهر الأنطولوجي الذي تتجلى من خلاله الهوية، والوعي الفلسفي الذي يعيد صياغة الوجود، والقارة الإفريقية بثرائها الثقافي وجذورها الممتدة في عمق التاريخ، تقف اليوم عند حافة تحول حضاري فارق، يتداخل فيه عبق الموروث مع حتمية الحداثة الرقمية، وفي هذا السياق لا تنفصل الدبلوماسية الثقافية عن كونها حواراً فلسفياً يبحث في المشترك الإنساني، ويعيد إحياء الروابط الروحية والمادية بين الشعوب، ومن هنا تبرز الدولة المصرية، عبر قوتها الناعمة المتمثلة في أكاديمية الفنون، ليس فقط كجسر للتواصل، بل كمنصة فكرية وإستشرافية تقود الوعي الثقافي الإفريقي نحو مستقبل يتجاوز حدود الجغرافيا، ليؤسس لنهضة فنية وفلسفية قوامها الأصالة والتجديد.
في إطار حرص الدولة المصرية المستمر على تعزيز التعاون المشترك مع الأشقاء في القارة السمراء من خلال أدوات الدبلوماسية الناعمة، تستعد أكاديمية الفنون لإطلاق حدث فكري وفني بارز، وهو المؤتمر العلمي الدولي العاشر للفنون الإفريقية، والذي يأتي هذا العام تحت عنوان فلسفي واستشراقي واعد “مستقبل الفنون الإفريقية”، ومن المقرر أن تنطلق فعاليات هذا المحفل الدولي الكبير في نوفمبر 2026، تحت رعاية ودعم الدولة المصرية، وبرئاسة الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن رئيس أكاديمية الفنون، ويقود تنظيم هذا المؤتمر هيكل إداري وعلمي رفيع المستوى يضم كلاً من: رئيس المؤتمر: أ.د. نبيلة حسن، ومقرر المؤتمر ومؤسسته أ.د. إيمان مهران المشرف على الوحدة، وأمين المؤتمر أ.د. نهلة أبسخرون.
وفي تصريح عميق الدلالة، أكدت الأستاذة الدكتورة إيمان مهران، مقرر المؤتمر ومؤسسته، أن هذا المحفل العلمي منذ انطلاق دورته الأولى في عام 2019 لم يكن مجرد حدث عابر، بل صُمم بوعي ليكون جسراً متيناً للتواصل مع الثقافات الإفريقية المتنوعة، وأشارت إلى أن التزامن مع رئاسة جمهورية مصر العربية للاتحاد الإفريقي في عام 2019 منح المؤتمر فرصة تاريخية لتلاقي التنمية الثقافية مع الشركاء الأفارقة، وأضافت د. مهران أن موضوع “مستقبل إفريقيا” يُعد من الأطروحات الكبرى التي تستحق أن تؤدي فيها أكاديمية الفنون دوراً مؤثراً ومحورياً، ليكون المؤتمر بمثابة مرآة تعكس التحولات الفلسفية والجمالية للفنون الإفريقية.
يتميز المؤتمر بكونه مجاني بالكامل، إذ لا توجد أي مصروفات للمشاركة، ويُعقد إلكترونياً (On Line) عبر تطبيق (Zoom)، مع ضمان نشر علمي دولي معتمد لجميع البحوث المقبولة، إذ يخضع المؤتمر لإشراف وتحكيم نخبة من أهم الأساتذة المتخصصين في الفنون الإفريقية من داخل القارة وخارجها، حيث إن جميع البحوث محكمة، ويتوجه المؤتمر إلى الباحثين والعاملين في مجال البحث العلمي الفني المتخصص، سواء في كليات الفنون والعلوم الإنسانية، أو معاهد أكاديمية الفنون، ويؤكد المؤتمر في أطروحته الفلسفية على الإحترام المطلق لتاريخ الثقافات الإفريقية وجذورها الضاربة في عمق القارة.
تم تمديد قبول الملخصات حتى 15 أغسطس 2026، ووفقاً لجدول المواعيد الإجرائية، إذ يُرسل ملخص البحث بدءاً من المقترحات الأولى حتى الاعتماد النهائي، مع تحديد موعد 30 يونيو للملخصات الأولية، و31 يوليو لإرسال الفيديو في حال القبول، و31 أغسطس 2026 لإرسال البحث كاملاً)، ويُقدم ملخص من صفحة واحدة باللغة العربية أو الأجنبية (الإنجليزية أو الفرنسية)، مرفقاً به ترجمة للغة الأخرى (مراجع لغوياً)، كما لا يزيد البحث كاملاً عن 15 صفحة (مراجع لغوياً)، ويكتب بأي من اللغات: العربية، الإنجليزية، أو الفرنسية، بحجم خط 14، والعناوين بحجم 16 سميك (Bold)، نوع الخط (S.A)، مع ترك هوامش 2 سم من جميع الاتجاهات (الأيمن، الأيسر، العلوي، السفلي) على ورق مقاس (A4)، على أن يشار للمراجع في نهاية الفقرة كالتالي: (اسم المؤلف، سنة النشر، رقم الصفحة)، وترتب المراجع أبجدياً في نهاية البحث، ويرسل على عنوان المراسلة: African.art.conference@gmail.com
يتسع المؤتمر ليشمل ثمانية مجالات فنية وإبداعية رئيسية، تتداخل فيها الرقمنة مع الهوية لترسم ملامح المستقبل، ففي مجال المسرح، مستقبل المسرح الإفريقي في عصر الرقمنة وفي ظل الأوضاع الحالية، والاستلهام، الرمزية، والتغريب في المسرح الإفريقي، وهوية المسرح الإفريقي على الساحة العالمية وتأثيره السياسي والاجتماعي، و قضايا التجريب وما بعد الحداثة، أما في مجال فنون السينما، فيشمل مستقبل السينما الإفريقية، وتقنيات المعالجة الفنية والرسوم المتحركة في عصر الرقمنة، وتأثير التطبيقات الرقمية، الميديا، ومنصات التواصل الاجتماعي على السينما، والسينما ومستقبل توثيق ذاكرة الأحداث، وتوظيف المناطق السياحية والموروث الشعبي، وإشكاليات الإنتاج والتسويق، ودور السينما في التعريف بالمجتمعات إقليمياً ودولياً.
أما في مجال فنون الموسيقى، فيشمل مستقبل الفنون الغنائية والموسيقية المعاصرة محلياً ودولياً في عصر الرقمنة، والتطبيقات الرقمية على الموسيقى، والتنوع والاستلهام الموسيقي، وجدلية التأثير والتأثر بين الموسيقى الغربية والمحلية الإفريقية، وأثر الأخيرة على الموسيقى العالمية، ويشمل مجال فنون الأداء الحركي على، مستقبل فنون الأداء الحركي الإفريقي المعاصر في عصر الرقمنة وعالميته، والأداء الحركي وعلاقته بالهويات الثقافية الإفريقية، والاستلهام والرمزية في فنون الرقص الإفريقي، أما مجال الفنون التشكيلية فيشمل مستقبل الفنون التشكيلية الإفريقية في عصر الرقمنة، وأثر الرقميات والمنصات عليها، والمتاحف وترسيخ القيم في ظل العولمة، والفنون التشكيلية بين المحلية والعالمية، والتربية الفنية وتأصيل الهويات الإفريقية، وتأثير الحروب وقضايا اللجوء على الإبداع التشكيلي الإفريقي.
ويشمل مجال الفنون الشعبية (تنوع الموروث وأصالته)، مستقبل موروث الثقافات الشعبية، الحرف التقليدية، وفنون الأداء الحركي والشعبي في عصر الرقمنة، والاستلهام وخصوصية الموروث والتشكيل الشعبي، وصون التراث المادي واللامادي، وتوثيق وحفظ وتنمية فنون الأداء والتشكيل الشعبي في الموروث الإفريقي، والخامات البيئية والحداثة وهوية المدن الإفريقية، وتجلياتها في السير والملاحم الشعبية، والعادات والتقاليد، المعتقدات الشعبية، ودور الفنون في تنمية المجتمعات المحلية.
الأدب الشعبي وأثره دولياً، والمشترك في الموروث الشعبي وأثره على الفنون العالمية، ويشمل مجال فنون الطفل، مستقبل فنون الطفل، والمسرح المدرسي، والتربية الفنية للطفل الإفريقي في عصر الرقمنة، وصورة الإفريقي في الحكايات والفنون الموجهة للطفل، ودور الحكايات في ترسيخ هويته، وتأصيل الهوية الموسيقية المحلية في المناهج المدرسية، والتربية الموسيقية وتأصيل الهوية، ومستقبل الألعاب الشعبية الإفريقية وسبل تنميتها، ويشمل مجال فنون الأدب، مستقبل الأدب الإفريقي المعاصر في عصر الرقمنة، وتأثير الرقميات ومنصات التواصل عليه، وفن الرواية واستشراف المستقبل الإفريقي، وأثر الرواية على المسرح والسينما، وملامح الهوية، الانتماء الوطني، والتعددية في الأدب المعاصر وأدب الشباب، وأثر الثورات، الحروب، التهجير، واللجوء على الأدب الإفريقي، وأثر الأدب على الساحة العالمية.
إن انعقاد المؤتمر العلمي العاشر للفنون الإفريقية تحت مظلة أكاديمية الفنون المصرية يمثل تجسيداً لرؤية فلسفية تؤمن بأن الفن هو السلاح الأسمى لمواجهة “تنميط العولمة” وتفكيك الهويات، إذ إن قراءة “مستقبل الفنون الإفريقية” من خلال مجالات المسرح والسينما والموسيقى والتشكيل والأدب، وفي ظل تحديات الرقمنة وقضايا اللجوء والحروب، ليست مجرد ترف أكاديمي، بل هي محاولة واعية لإعادة إمتلاك الذات الإفريقية لسرودها الخاصة، ومصر عبر تاريخها الممتد ودبلوماسيتها الثقافية، تؤكد مجدداً أن جذور القارة ليست وراءنا بل هي أمامنا، هي الحاضر الفاعل الذي يستوعب التكنولوجيا الرقمية دون أن يفقد روحه الشعبية وموروثه الشفهي واللامادي، وهذا المؤتمر يفتح الآفاق أمام “إفريقيا الحاضرة” لتصيغ بمداد باحثيها وفنانيها فصلاً جديداً من فصول التحرر الفكري والكونية الإنسانية، حيث الفن هو لغة الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل التزييف.
















Leave a Reply