بقلم: محمد حماد
حين تأهل المنتخب المصري إلى دور الستة عشر في كأس العالم، لم تكن الفرحة مصرية خالصة، بل بدت كما لو أنها فرحة شعب واحد موزع على أكثر من عشرين دولة. خرجت الجماهير في عواصم عربية مختلفة تحتفل كما لو أن منتخبها الوطني هو الذي انتصر، وتصدرت صور اللاعبين المصريين شاشات الفضائيات العربية.
وتحوّل الإنجاز الرياضي إلى لحظة كشفت عن حقيقة أعمق من مجرد مباراة لكرة القدم.
كانت تلك اللحظة تذكيرًا بأن الوجدان العربي ظل، رغم كل ما أصابه، خارج خرائط التقسيم.
لقد نجحت السياسة في رسم الحدود، ونجحت الخلافات في إنتاج اصطفافات وتحالفات متناقضة، لكن ما استعصى على كل ذلك هو المجال الأكثر عمقًا في حياة الأمم: مجال الذاكرة والعاطفة والانتماء الثقافي.
إلى جانب اللغة والدين، كان الأدب والموسيقى والسينما والشعر، وما راكمته الذاكرة العربية من مشاعر مشتركة، من أهم العوامل التي صنعت هذا الوجدان وحافظت عليه.
ولهذا، كلما تعرض لاختبار حقيقي، ظهر أكثر تماسكًا مما يتوقع كثيرون. ولعل القضية الفلسطينية كانت، ولا تزال، المثال الأوضح على قدرة هذا الوجدان على تجاوز الحسابات الرسمية، وكشف حقيقة ما يسكن ضمير الشعوب العربية.
صارت وحدة الوجدان، في كثير من الأحيان، خط الدفاع الأخير عن العروبة عندما تضعف المؤسسات الرسمية أو تخضع لضغوط السياسة وموازين القوى.
في أول لقاء مع المايسترو سليم سحاب، حين قدم إلى القاهرة نهاية التسعينيات من القرن الماضي، حكى لي، في حوار نشرته مجلة الفنون التي كانت تصدر من الكويت، أنه كان في رحلة فنية مع فرقة بيروت للموسيقى العربية في باريس، وفي الطريق إلى قصر فرساي، انطلقت إحدى المنشدات تغني أغنية أم كلثوم الشهيرة: «على بلد المحبوب وديني».
وفجأة توقفت عند باب الحافلة امرأة ظن الجميع أنها فرنسية، فإذا بها، قبل أن تنزل، تلتفت إليهم بلهجة مغربية خالصة، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، ورفعت يديها وهي تهتف: «ربنا ينصركم… ربنا ينصركم».
في هذه اللحظة الصغيرة تختبئ قصة كبيرة.
الأغنية مصرية، بالكلمات وباللحن وبالصوت، والمنشدون لبنانيون، والمستمعة مغربية تعيش في المهجر. المكان في فرنسا، على بعد آلاف الكيلومترات من العالم العربي. ومع ذلك، تحولت الأغنية إلى لغة وجدانية واحدة، تجاوزت الجنسية والجغرافيا، وأيقظت في تلك المرأة شعورًا بالانتماء لا تستطيع السياسة أن تخلقه، ولا الحدود أن تمنعه.
ولم تكن تلك حادثة استثنائية.
يروي سليم سحاب أن هذا المشهد تكرر مرارًا في حفلاته، سواء في العواصم العربية من الخليج إلى المحيط، أو حتى في واشنطن، حيث كان الجمهور العربي، على اختلاف جنسياته، ينفجر بالتصفيق في المواضع نفسها من الموشحات والأغنيات، وكأن الجميع يتحرك بإيقاع وجداني واحد تشكل عبر عقود طويلة من الثقافة المشتركة.
هذه ليست مجرد استجابة موسيقية، بل شهادة على أن الثقافة كثيرًا ما تنجح فيما تعجز عنه السياسة.
ولهذا، لم تكن فرحة العرب بتأهل مصر إلى دور الستة عشر حدثًا رياضيًا عابرًا، كما لم يكن الالتفاف العربي حول فلسطين مجرد تضامن سياسي. في الحالتين، كان الوجدان العربي يعلن عن نفسه، ويؤكد أنه ما زال يحتفظ بوحدة عميقة تتجاوز الحدود والدول والخلافات.
تتبدل السياسات، وتتغير التحالفات، وتختلف المصالح، لكن الشعوب تحتفظ في أعماقها بخيط خفي يصل بينها جميعًا.
هذا الخيط هو الذي يجعل أغنية مصرية تُبكي مغربية في باريس، ويجعل فوز منتخب عربي مناسبة لفرحة الملايين خارج حدوده، ويجعل فلسطين حاضرة في الضمير العربي مهما تغيرت المواقف الرسمية.













Leave a Reply