علي ابراهيم يكتب :
انفعل صوت هاتفي فجأة، على غير عادته، واهتز سريعًا وارتعد ، إذ أتركه دائمًا على الوضع الصامت.
فإذا بشاشته تعلن أن المتصل هو الوزير ضياء رشوان، رقم الرجل انتقل معي من هاتف إلى آخر، ومن شريحة إلى أخرى، منذ أن كنت محررًا بالقسم السياسي في صحيفة “العربي” الناصري، قبل أن تشهد مصر هبتي يناير 2011 ويونيو 2013.
كان وقتها باحثًا في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، أو الباحث الأبرز في شؤون الحركات الإسلامية، بحسب ما كان يقتضيه الموضوع الصحفي آنذاك.
ما علينا… نعود إلى المكالمة وفحواها:
الوزير: أستاذ علي… وبعد السؤال عن الصحة والأحوال وما إلى ذلك، أردف: نحن نعيد الآن هيكلة العمل في الوزارة والإعلام عمومًا، ونحتاجك معنا خلال المرحلة المقبلة.
أنا: ربنا يوفقك يا معالي الوزير، ويهيئ لنا ولمصر وللإعلام ما فيه الخير.
الوزير: لدينا ملفات كثيرة، بعضها صعب ومعقد. في أي مجال تظن أنك تستطيع إفادتنا؟
أنا: والله يا معالي الوزير، لديّ أفكار كثيرة، كما لدى غيري، والمهم في هذه المرحلة هو القدرة والإرادة. وأغلب أهل المهنة يعرفون أوجاعها وأعراضها وطرق علاجها. لكن اعذرني، لا أستطيع العمل معكم؛ لأنني لا أقبل تعيين مستشارين ومساعدين، بينما توجد ثلاث هيئات، برؤسائها ومساعديهم، تعمل منذ سنوات.
كما أنني أرفض تحميل ميزانية الدولة أعباءً إضافية. فأنا، والحمد لله، أكتفي بما أتقاضاه من بدل التكنولوجيا وبدل انتظار عمل ، اللذين يزيدان معًا على خمسة آلاف جنيه، أواجه بهما متطلبات الحياة من سكن وأسرة وعلاج ومواصلات وارتفاع أسعار وطوارئ. فلا حاجة لي بمزيد من المال الذي قد يفسد أخلاقي وأخلاق أولادي!
الوزير – ضاحكًا بسخرية – أنهى المكالمة بعد أن شكرني، على ما يبدو، بنفس القدر من السخرية.
“كان هذا نص مكالمة عبثية… لم تحدث، ولن تحدث لأسباب موضوعية وغير موضوعية ليس هذا وقت شرحها”.
إذن، دعونا ندخل إلى لب الموضوع.
منذ الإعلان عن تعيين مستشارين ومساعدين لوزير الدولة للإعلام، تحولت المنصات والصفحات إلى ما يشبه “غرف عمليات” مفتوحة، لا همّ لها سوى السؤال، لماذا؟ وكيف؟ ومن أين؟ وكم يتقاضى هؤلاء؟وكأن أزمة الإعلام المصري كلها كانت تنتظر هذا القرار تحديدًا حتى تنفجر. فجأة، اكتشف البعض أن الدفاع عن المال العام واجب مقدس تذكره الجميع فجأة، وأن الخزانة العامة لا تحتمل تعيين بضعة مساعدين، وأن الدفاع عن حقوق الصحفيين الشباب وتحسين أوضاع المؤسسات الصحفية أصبح الشغل الشاغل لمن ظلوا سنوات طويلة لا يسمع لهم صوت في هذه الملفات.
والحقيقة أن اغلب الأسئلة مشروعة وواجبة والاعتراض حق، والنقد مطلوب، بل وضروري في أي عمل عام.
لكن ما يثير الدهشة حقًا هو أن بعض الاعتراضات لا تبدو مرتبطة بجوهر القرار أو جدواه أو معايير الاختيار، بقدر ما تبدو مرتبطة بسؤال آخر أكثر بساطة ووضوحًا: “لماذا ليس أنا؟” وهو سؤال مشروع جدا.
ولو افترضنا جدلًا أن أحد أكثر المعترضين حظي باتصال هاتفي يخبره بأنه وقع عليه الاختيار ليصبح مساعدًا أو مستشارًا، فهل كان سيخرج علينا غاضبًا مستنكرًا؟ هل كان سيكتب منشورًا ناريًا عن ترشيد الإنفاق وحماية المال العام؟ أم كان سيعتبر الأمر تكليفًا وطنيًا، ويستقبل سيل التهاني بعبارات من قبيل “أشكر القيادة السياسية على الثقة الغالية”، و”أتمنى أن أكون عند حسن الظن”؟ المشكلة ليست في الاختلاف حول القرار، فهذا أمر طبيعي وصحي، لكن حين يتحول النقد إلى مرآة تعكس خيبة شخصية أو شعورًا بالاستبعاد، لا رؤية مهنية أو موقفًا مبدئيًا.
لذلك وقبل أن ينشغل البعض بحساب رواتب الآخرين، ربما يكون من الأفضل أن يسأل نفسه سؤالًا واحدًا، هل الإعتراض نابع من مصلحة المهنة حقًا، أم لأن أحدًا لم يقل لي مبروك… أنت تستحق؟
في السياسة والإعلام، كما في الحياة، قليل من الموضوعية لا يضر، وقليل من الصراحة مع النفس قد يوفر علينا كثيرًا من الضجيج.














Leave a Reply