اغتيال المنهج في آليات تشكيل لجان المقال النقدي والدراسات بالقومي

بقلم : محمد جمال الدين

​حين يفقد الفعل المؤسسي بوصلته المعرفية، يتحول المهرجان المسرحي من منصة للوعي والإشتباك الجمالي إلى مجرد محفل إحتفالي إستعراضي يفتقر إلى العمق، والفعل النقدي والبحثي في المسرح هو الجوهر العضوي الذي يستمد منه العرض المسرحي مشروعيته الوجودية والتاريخية.

وحين تتعامل إدارة المهرجان القومي للمسرح بمنطق الإقصاء والتهميش المنهجي مع مسابقات الدراسات النظرية، وتغيب معالمها وتفاصيل لجانها في غياهب الإعلانات الرسمية، فإننا لا نكون أمام مجرد سقطة إدارية أو هفوة تنظيمية عابرة، بل نحن أمام أزمة بنيوية تعكس قصوراً في إدراك قيمة المعرفة وجدوى التفكير العلمي الجاد، ومن هنا تنبثق الضرورة الملحة لتفكيك هذا المشهد، وإختراق طبقته السطحية لبيان ما يطويه من إختلالات منهجية ومؤسسية تهدد تقويض المنظومة النقدية والفكرية بأسرها.

​إن الإعلان الرسمي عن لجان التحكيم في المهرجان القومي للمسرح حين يقتصر على إبراز مسابقة المقال النقدي متجاهلاً بصورة كاملة مسابقة الدراسات النظرية، يطرح تساؤلاً فلسفياً خطيراً حول معايير القيمة والأولوية لدى مسئولي المهرجان، فالتساؤل عن أيهما أهم لا يهدف إلى إيجاد مفاضلة تراتبية بين الشكلين، فكلاهما ينهل من معين التنظير المسرحي، لكن التجاهل الممنهج للدراسات النظرية يعكس إما عجزاً تنظيمياً أو تعاملاً إستسهالياً يختزل البحث الأكاديمي الرصين إلى مجرد كمالة عدد، أو ديكور شكلي يكتمل به المشهد الإداري، والأدهى من ذلك هو الإصرار المريب على أن تكون لجنة تحكيم المقال النقدي هي نفسها لجنة تحكيم الدراسات النظرية، وهو دمج عبثي يجهل تماماً طبائع الإشتغال المعرفي لكل منهما، ويؤكد أن الإدارة تدير ظهرها لأبسط بديهيات التخصص العلمي والمنهجي.

​إن الخلط بين المقال النقدي التطبيقي والدراسة النظرية يعكس أمية نقدية وأكاديمية جسيمة، فلكل منهما بنيته الإبستمولوجية وطرائق إشتغاله الخاصة، فالمقال النقدي التطبيقي المسرحي يمثل قراءة تحليلية واعية للعرض المسرحي الحي، تتفاعل مع آليات التلقي الفوري والجماليات البصرية والسمعية للخشبة، مستندة إلى الوعي الجمالي، والذائقة النقدية، والأطر السريعة لظواهر العرض والممثل والسينوغرافيا في لحظة أنية وطارئة، وفي المقابل تشكل الدراسة النظرية المسرحية بناءً معرفياً تراكمياً يستند إلى فرضيات، ومناهج إبستمولوجية صارمة، وتفكيك تاريخي أو فلسفي لإشكاليات نظرية واسعة النطاق، متوسلة بأدوات التوثيق والمنهجية الأكاديمية الصارمة، والفحص التحليلي المقارن وخطاب الفكر الممتد.

​وبناءً على هذا الإختلاف الجذري، تختلف شروط اختيار أعضاء لجان التحكيم لكل مسابقة إختلافاً تاماً، فلجنة تحكيم المقال النقدي تتطلب أعضاء يمتلكون سرعة البديهة النقدية، والقدرة على إلتقاط المفارقات الجمالية الفورية، وإمتلاك أسلوب بليغ وموجز في التعبير، مع الإلمام بالتيارات الإخراجية والتمثيلية المعاصرة، أما لجنة تحكيم الدراسات النظرية والبحث العلمي فتخضع لشروط صارمة للغاية، حيث يُشترط أن يكون أعضاؤها من أصحاب البصمات الأكاديمية والإنتاج الفكري الغزير والمستمر لفترات زمنية طويلة ومتصلة وفاعلة في حقل الدراسات المسرحية، ولديهم القدرة على تقييم الإضافات المعرفية الحقيقية وتجنب السطحية من خلال النزاهة الأكاديمية والخبرة التحكيمية المتعمقة.

​كما إن الممارسة الإدارية المعتادة في المهرجان القومي، والقائمة على اختيار رئيس للجنة في كلتا المسابقتين، وإعطائه تفويضاً كاملاً لاختيار باقي الأعضاء بحجة التوافق وعدم حدوث خلاف، هي ممارسة تفتقر إلى الحد الأدنى من الحوكمة الثقافية والمؤسسية، إذ إن هذا النهج يدفع أي رئيس لجنة بطبيعته البشرية نحو اختيار المقربين له وأهل الثقة الشخصية، دون أدنى اعتبار للكفاءة العلمية أو الصلاحية النقدية، مما يحول لجان التحكيم إلى تكتل فكري يتبادل المجاملات وتغيب عنه الموضوعية، إذ إن الأصل الإبستمولوجي والإداري في تكوين أي لجنة تحكيم علمية هو أن تتكون من عدد فردي كالثلاثة أو الخمسة أو السبعة أعضاء، وذلك لضمان تباين الرؤى وخلق ديناميكية جدلية منتجة، فعين العقل والمنهج تدل على أنه حين يحدث إختلاف في الرؤى، يكون هناك صوت يرجح كفة على كفة بناءً على الحجة والدليل العلمي، وليس المطلوب على الإطلاق تكوين لجان متوافقة مسبقاً يختارها رئيس اللجنة على عين هواه لتكريس أحادية الرؤية وقتل التعددية النقدية.

وليس أدل على ما يقال من أن رئيس لجنة تحكيم مسابقة المقال النقدي والدراسات النظرية هو أحد المكرمين بالمهرجان، ومحرر كتاب تكريمه هو عضو معه في اللجنة، وهو كذلك من صاحبه على منصة الإحتفاء به، وكذلك العضو الثالث في اللجنة هو أحد أعضاء منصة الإحتفاء، مما يؤكد أن رئيس اللجنة هو من اختار أعضائها، وهو من اختار منهم من يحرر كتاب تكريمه، وهو من اختارهم لمصاحبته على المنصة في جلسة الإحتفاء، وهو ما يؤكد بما لا يدع مجال للشك ما سبق ذكره.

​إن الوضع الراهن الذي يعيشه المهرجان القومي للمسرح فيما يخص لجان تحكيم الدراسات النظرية والمقال النقدي هو وضع مأساوي بامتياز، لا علاقة له بروح البحث العلمي ولا بشروط النهضة الثقافية المرجوة، والإستمرار في هذا النهج العشوائي القائم على المجاملات والإقصاء والتسطيح سيؤدي حتماً إلى إنهيار المنظومة النقدية والبحثية أكثر فأكثر، وتحويل المهرجان إلى مجرد إحتفالية إستهلاكية عابرة، والخروج من هذا المأزق التاريخي يتطلب إرادة مؤسسية حقيقية لصياغة إستراتيجيات شفافة، وخطط علمية دقيقة، ومعايير صارمة لتحقيق تكافؤ الفرص الحقيقي بين المتسابقين، وإرساء قواعد العدالة الأكاديمية، فالمسرح لا يمكن أن ينهض على خشبة العرض وحدها، إن لم يسبقه ويوازيه وعي نظري وبحثي رصين يحرس الهوية، ويقود الفكر نحو آفاق أرحب وأعمق.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *