في السياسة الدولية لا تقاس أهمية القمم بما يصدر عنها من بيانات ختامية، وإنما بما يدور في الكواليس من تفاهمات تعيد رسم خرائط النفوذ. ومن هذا المنطلق، فإن ما تداولته مصادر إخبارية وتحليلات سياسية بشأن اجتماع ثلاثي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، يستحق التوقف عنده باعتباره مؤشراً على تحولات أوسع في بنية الصراع الإقليمي، حتى وإن ظلت تفاصيله بحاجة إلى تأكيد مستقل.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن القضية لا تتعلق بمجرد تنسيق أمني بين ثلاث عواصم، بل بمحاولة لإعادة إنتاج النظام الإقليمي العربي وفق معادلات جديدة تقوم على توظيف الفاعلين المحليين في خدمة الاستراتيجيات الدولية. فالتاريخ الحديث للمنطقة يكشف أن القوى الكبرى نادراً ما تدخل المواجهات المباشرة، وإنما تفضل إدارة الصراعات عبر شركاء محليين يتحملون الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية.
وإذا صحت المعطيات المتداولة، فإن واشنطن تنظر إلى سوريا بوصفها الحلقة المركزية في مشروع تقليص النفوذ الإيراني الممتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. وفي هذه الرؤية تتحول الجغرافيا السورية من ساحة صراع داخلي إلى منصة لإعادة تشكيل موازين القوى في المشرق العربي، بما يجعل أي سلطة قائمة في دمشق مطالبة بأداء أدوار تتجاوز حدودها الوطنية.
أما تركيا، فتبدو وفق هذا التصور وكأنها لا تكتفي بدور الوسيط، بل تسعى إلى تثبيت نفسها باعتبارها القوة الإقليمية الأكثر قدرة على إدارة المجال العربي الشمالي. فمنذ سنوات تعمل أنقرة على توسيع حضورها السياسي والعسكري في سوريا والعراق، واليوم قد تجد في أي تفاهم أمريكي فرصة لتحويل هذا النفود إلى اعتراف دولي يترجم في ملفات التسليح والعقوبات والعلاقات الاستراتيجية مع واشنطن.
لكن البعد الأخطر لا يكمن في أدوار الولايات المتحدة أو تركيا، وإنما في طبيعة التحول الذي قد يصيب مفهوم الدولة العربية نفسها. فعندما تصبح الحدود الوطنية مجرد خطوط لحركة الجماعات المسلحة أو أدوات لتنفيذ ترتيبات أمنية عابرة للدول، فإننا نكون أمام انتقال من مرحلة تفكيك الدولة إلى مرحلة إعادة تركيب المنطقة على أساس الوظائف الأمنية لا السيادة الوطنية.
إن الحديث عن أدوار سورية محتملة داخل لبنان أو العراق، سواء عبر أدوات غير مباشرة أو عبر تحركات ميدانية، يعكس منطقاً جديداً في إدارة الصراع، يقوم على استبدال الجيوش التقليدية بشبكات محلية مرتبطة بمراكز قرار خارجية. وهذه الظاهرة ليست جديدة في المنطقة، لكنها مرشحة ـ إذا صحت هذه السيناريوهات ـ لأن تدخل مرحلة أكثر تنظيماً واتساعاً.
وبالنسبة للبنان، فإن أي محاولة لإعادة رسم موازين القوى عبر مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع حزب الله لن تكون مجرد قضية أمنية، بل ستعيد إنتاج الانقسام اللبناني بكل أبعاده الطائفية والسياسية والاجتماعية، بما يهدد ما تبقى من مؤسسات الدولة. أما في العراق، فإن استهداف الحشد الشعبي، بغض النظر عن المواقف المختلفة منه، قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من العنف، ويعيد البلاد إلى مرحلة الصدامات المفتوحة بين الفصائل المسلحة.
ومن زاوية اجتماعية، فإن أخطر ما في هذه السيناريوهات هو أنها تنقل الصراع من مواجهة بين دول إلى صراع بين المجتمعات العربية نفسها. فبدلاً من أن يكون التنافس بين عواصم إقليمية، يصبح المواطن العربي هو وقود الحرب الجديدة، وتتحول المدن العربية إلى ساحات لتصفية الحسابات الدولية.
لقد أثبتت تجارب العقدين الماضيين أن الحروب بالوكالة لم تنتج استقراراً في أي دولة عربية، بل أفرزت انهياراً اقتصادياً، وتفككاً اجتماعياً، وتراجعاً في مؤسسات الدولة، وصعوداً للهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية. وإذا كان المشروع الجديد يقوم بالفعل على توسيع هذا النموذج ليشمل المشرق العربي بأكمله، فإن المنطقة ستكون أمام دورة طويلة من الاستنزاف يصعب التكهن بنهايتها.
ومن هنا، فإن القراءة القومية العربية لا ينبغي أن تنطلق من الاصطفاف مع هذا المحور أو ذاك، وإنما من الدفاع عن فكرة الدولة الوطنية العربية وسيادتها، ورفض تحويل الأراضي العربية إلى ساحات لإدارة الصراعات الدولية. فالمشكلة ليست فقط في النفوذ الإيراني أو الأمريكي أو التركي، وإنما في استمرار غياب مشروع عربي مستقل يمتلك القدرة على حماية الأمن القومي العربي بعيداً عن سياسات المحاور.
قد تكون بعض المعلومات المتداولة حول لقاءات أنقرة جزءاً من حرب الروايات، وقد تكشف الأيام المقبلة عن تفاصيل تؤكدها أو تنفيها. لكن المؤكد أن المنطقة تشهد بالفعل مرحلة إعادة تشكيل كبرى، وأن الصراع لم يعد يدور حول حدود النفوذ فقط، بل حول هوية المشرق العربي ومستقبل دوله. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، يصبح الرهان الحقيقي هو قدرة العرب على إنتاج رؤية استراتيجية مستقلة، تمنع تحويل أوطانهم إلى خرائط يعاد رسمها في غرف مغلقة، وتعيد الاعتبار لمفهوم الدولة والسيادة والتنمية بوصفها الضمانة الوحيدة لاستقرار المنطقة، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
بقلم/ د. محمد سيد أحمد











Leave a Reply