بقلم: محمد حماد
هناك حروبٌ تُخاض بالسلاح، وأخرى تُخاض بالاقتصاد، وثالثة تُخاض بالإعلام. لكن أخطرها جميعًا هي الحروب التي لا تستهدف الأرض، ولا الثروة، ولا حتى السلطة، وإنما تستهدف ذاكرة الأمة.
السيطرة على الحاضر لا تكفي. ومن يريد أن يضمن المستقبل، عليه أولًا أن يعيد كتابة الماضي. ولهذا لم يعد الصراع في عالمنا يدور فقط حول من يملك القوة، بل أيضًا حول من يملك الرواية، وبالتعبير الشائع هذه الأيام: من يُسيد سرديته.
التاريخ هو المادة الخام التي تُصاغ منها هوية الأمم. ليس مجرد سجل للأحداث، والذاكرة ليست مخزنًا للوقائع، وإنما الخزان الذي تستمد منه الشعوب ثقتها بنفسها، وإيمانها بقدرتها على الفعل، واستعدادها لمواجهة المستقبل.
ولهذا لا يبدأ الهجوم على الأمم من حدودها دائمًا، بل كثيرًا ما يبدأ من ذاكرتها. يبدأ بإقناعها بأن بطولاتها كانت أوهامًا، وأن تاريخها أسوأ من حاضرها، وأن رموزها مجرد أساطير مفبركة، وأن انتصاراتها مبالغات صنعها الخيال الوطني، وأن كل لحظة وقفت فيها في وجه الظلم أو الاحتلال لم تكن إلا رواية جميلة نسجها الوجدان الجمعي.
حين يتم إيصال أي أمة إلى هذه المرحلة، فإنها لا تخسر الماضي وحده، بل تخسر المستقبل أيضًا. لأن الأمم لا تُهزم فقط حين تخسر معركة، وإنما تُهزم حين تقتنع أنها لم تنتصر في أي معركة من قبل.
من هنا يصبح من الضروري أن نفرق بين التاريخ والذاكرة.
التاريخ علم، ووظيفته أن يحقق ويدقق ويصحح ويعيد النظر. وهو لا يعرف المجاملات، ولا يخضع للعواطف. أما الذاكرة فهي المجال الذي تختزن فيه الأمة المعاني الكبرى التي صنعت شخصيتها، واختارت أن تبقيها حية في وجدانها.
وليست الذاكرة سجلًا مطابقًا للتاريخ، كما أن التاريخ ليس نسخة من الذاكرة. فالأرشيف يحتفظ بكل شيء، أما الذاكرة فلا تحتفظ إلا بما يمنح الأمة معنى، ويمنح الأجيال الجديدة إحساسًا بالانتماء والاستمرار.
ومن هنا أيضًا يجب أن نفرق بين مراجعة التاريخ، وإدارة الذاكرة.
من حق المؤرخ أن يُراجع الوثائق، ويتحقق من الوقائع، وأن يشكك في الروايات، وأن يصحح الأخطاء، بل إن هذا هو جوهر رسالته.
لكن شيئًا آخر يحدث حين يتحول النقد العلمي إلى مشروع دائم لإقناع الأمة بأن تاريخها كله سلسلة من الأساطير، وأن رموزها لم تكن سوى شخصيات صنعتها الدعاية، وأن كل ما تتوارثه من قصص البطولة والكرامة ليس إلا مبالغات لا أصل لها.
هنا لا يعود السؤال سؤالًا تاريخيًا، بل يصبح سؤالًا حضاريًا: أي صورة نريد للأمة أن ترى نفسها فيها؟
خذ مثلًا الجدل الذي يتجدد من حين إلى آخر حول العبارة المنسوبة إلى أحمد عرابي في مظاهرة 9 سبتمبر بميدان عابدين عام 1881: «لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا».
من حق المؤرخ أن يسأل: هل وردت هذه العبارة في مصدر معاصر؟ وهل قالها عرابي بالنص المتداول؟ وهل صاغتها الذاكرة الوطنية لاحقًا بصورة أكثر بلاغة؟
كل ذلك مشروع، بل وضروري.
لكن الذي يستحق التأمل هو أن بعض النقاشات لا تتوقف عند حدود العبارة، وإنما تقفز منها إلى التشكيك في الواقعة، ثم من التشكيك في الواقعة إلى التشكيك في قدرة المصريين أنفسهم على أن يقفوا يومًا في مواجهة حاكمهم.
وهنا تنتقل القضية من التحقيق التاريخي إلى المعركة على الذاكرة.
فالواقعة نفسها ثابتة:
جيش يقوده ضباط مصريون على رأسهم أحمد عرابي اجتمع في ميدان عابدين، وخديوي يخرج لمواجهتهم، ومطالب تُفرض، ووزارة تُقال، وتبدأ تجربة نيابية جديدة.
أما الصياغة الدقيقة للحوار الذي دار بين الطرفين، فمن الطبيعي أن تختلف فيها الروايات، شأنها شأن مئات الوقائع التي سبقت عصر التسجيل والتوثيق الحديث
الذاكرة الوطنية لم تحتفظ بهذه العبارة لأنها الأكثر بلاغة، وإنما لأنها اختزلت لحظة تاريخية كاملة.
لحظة أعلن فيها المصريون أن الحاكم ليس مالكًا للرعية، وأن الأمة ليست ميراثًا يُورث.
وهذا ليس استثناءً مصريًا.
فالتاريخ الإنساني كله مليء بعبارات أصبحت جزءًا من ذاكرة الشعوب، بينما ظل المؤرخون يناقشون مدى صحة نسبتها أو دقة ألفاظها.
صرخة «وامعتصماه»، وعبارة «إذا لم يجدوا خبزًا فليأكلوا الكعك»، وعبارة «الدولة أنا»، وغيرها كثير.
لم يكن سر بقائها أنها ثابتة حرفيًا، وإنما لأنها تحولت إلى اختزال مكثف لمعنى تاريخي أوسع من الكلمات نفسها.
ولا تقف المعركة عند حدود العبارات المؤسسة، بل تمتد إلى الرموز المؤسسة نفسها. فإذا كانت بعض العبارات تختزل لحظات فارقة في تاريخ الأمم، فإن بعض الشخصيات تختزل مشاريعها الكبرى.
ولهذا لا يكون استهداف هذه الرموز مجرد مراجعة لتجاربها، وإنما قد يتحول إلى محاولة لإخراجها من الذاكرة الجمعية، بحيث لا يبقى منها ما يمكن أن يلهم الأجيال الجديدة.
ولعل جمال عبد الناصر يمثل المثال الأبرز في التاريخ المصري المعاصر.
فمنذ رحيله لم تتوقف مراجعة تجربته، وهو أمر مشروع لا خلاف عليه، لكن بعض الخطابات تجاوزت نقد السياسات والقرارات إلى نفي القيمة التاريخية والرمزية للرجل نفسه، وكأن المطلوب لم يكن إعادة قراءة التجربة، بل إقصاءها من الوجدان الوطني.
وما يلفت النظر أن حملات التشويه لا تلبث أن تتجدد كلما عاد اسمه إلى الواجهة، أو كلما أعاد واقع الأمة طرح الأسئلة التي ارتبط بها مشروعه: الاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، والقضية الفلسطينية، ودور الدولة، ومعنى الكرامة الوطنية.
وهكذا تكتمل آلية المعركة: تبدأ بالتشكيك في العبارة، ثم تمتد إلى التشكيك في الواقعة، ثم إلى إسقاط الرمز، لتنتهي أخيرًا بالتشكيك في قدرة الأمة نفسها على صناعة تاريخها.
ولهذا فليست كل عبارة مشهورة صحيحة حرفيًا، لكن ليست كل عبارة غير موثقة باطلة المعنى. فالذاكرة الوطنية لا تبني نفسها على الألفاظ وحدها، وإنما على الأحداث والرموز التي تختزلها تلك الألفاظ.
إن وظيفة المؤرخ أن يختبر الرواية، لا أن يصادر الذاكرة. فإذا أثبت أن عبارة لم تُقل، فقد أدى رسالته العلمية. أما إذا انتهى من ذلك إلى أن الأمة لم تعرف المقاومة، أو أن بطولاتها ليست إلا اختراعات، فقد غادر التاريخ إلى الأيديولوجيا.
الاستعمار كان يحتل الأرض، أما الهيمنة الثقافية فتحتل الذاكرة. والاستبداد لا يكتفي بأن يحكم الحاضر، بل يسعى إلى إعادة كتابة الماضي بما يجعل الخضوع يبدو قدرًا، والمقاومة تبدو استثناءً أو وهمًا.
وهنا يكمن جوهر القضية. فالسؤال الحقيقي لم يكن يومًا: هل قال عرابي: «لقد خلقنا الله أحرارًا» ؟، بل كان: هل يراد لنا أن نصدق أن المصريين لم يقولوا يومًا لحاكمهم: «لا»؟
وهذه ليست قضية عرابي وحده، ولا قضية جمال عبد الناصر وحده، بل قضية كل لحظة وقف فيها المصريون يدافعون عن حقهم في أن يكونوا أصحاب إرادة في وطنهم، وكل رمز وطني جسّد في زمنه حلمًا جماعيًا أو مشروعًا للنهضة أو معنى للكرامة.
الأمم الواثقة من نفسها لا تخشى مراجعة تاريخها، لكنها أيضًا لا تسمح بتحويل المراجعة إلى معول لهدم ذاكرتها.
التاريخ علم، أما الذاكرة فهي أحد مقومات البقاء. ومن حق المؤرخ أن يسأل: هل قيلت هذه العبارة؟
لكن من حق الأمة أيضًا أن تسأل: لماذا يُراد لها أن تصدق أنها لم تقف يومًا في وجه الظلم، ولم تكتب يومًا فصلًا من فصول الحرية، ولم تنجب يومًا رموزًا استحقت أن تبقى في وجدانها؟
قد يخسر شعب معركة فيستردها، وقد يخسر أرضًا فيحررها، وقد يمر بمرحلة ضعف ثم ينهض منها. لكن الخسارة التي يصعب تعويضها هي أن يفقد ثقته بنفسه، وأن يقتنع بأن تاريخه كله مجرد أوهام، وأن كل لحظة قاوم فيها لم تكن سوى أسطورة.
وهكذا تكتمل آلية المعركة: تبدأ بالتشكيك في العبارة، ثم تمتد إلى التشكيك في الواقعة، ثم إلى إسقاط الرمز، لتنتهي أخيرًا بالتشكيك في قدرة الأمة نفسها على صناعة تاريخها.
الذاكرة ليست أرشيفًا تحفظ فيه الأمم ما مضى، بل بوصلة تهتدي بها إلى ما ينبغي أن تكون عليه. ولهذا فإن المعركة على الذاكرة ليست معركة على الماضي، بل معركة على المستقبل.
ومن ينجح في إعادة تشكيل ذاكرة أمة، لا يغيّر ماضيها فحسب، بل يعيد رسم مستقبلها.
* كاتب صحفي










Leave a Reply