هناك لحظات لا يختبر فيها التاريخ قوة الجيوش أو حجم الاقتصادات، وإنما يختبر ضمير الإنسان. وما يحدث في غزة منذ أشهر هو إحدى تلك اللحظات الفاصلة التي كشفت معادن البشر، وفرزت المواقف بين من انتصر للإنسانية، ومن اختار أن يكون صوتًا يهاجم كل من يعلن تضامنه مع شعب يواجه حربًا مدمرة.
في هذا السياق، خرج الإعلامي توفيق عكاشة مهاجمًا المدير الفني لمنتخب مصر، أسطورة الكرة المصرية والإفريقية حسام حسن، بعدما رفع علم فلسطين إلى جوار علم مصر عقب الإنجاز التاريخي بتأهل المنتخب الوطني إلى دور الستة عشر من كأس العالم لأول مرة في تاريخ الكرة المصرية.
ولم يكن المشهد سياسيًا بقدر ما كان إنسانيًا؛ فالعلمان لم يتنافسا، بل تجاورا، في رسالة مفادها أن الانتماء لمصر لا يتعارض مع التضامن مع شعب عربي يتعرض لمأساة إنسانية غير مسبوقة. وقد أثبتت الأحداث أن ما قام به حسام حسن لم يخالف لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم، بعدما أوضح “فيفا” أن حمل أعلام الدول الأعضاء في الاتحاد الدولي، ومنها فلسطين، مسموح به وفق اللوائح المنظمة للبطولة، ليغلق الباب أمام كل محاولات التشويه.
وهنا يفرض السؤال نفسه: إذا كان الاتحاد الدولي لكرة القدم لم يجد في تصرف حسام حسن أي مخالفة، فلماذا كل هذا الغضب؟ ولماذا يتحول التضامن الإنساني إلى تهمة، بينما يصبح الهجوم عليه رأيًا مشروعًا؟
لقد ارتبطت القضية الفلسطينية بالوجدان المصري عبر عقود طويلة، وامتزجت بدماء آلاف الجنود المصريين الذين قاتلوا دفاعًا عن الأرض والكرامة العربية. ولذلك فإن مساندة الشعب الفلسطيني ليست خروجًا على الثوابت الوطنية، بل امتداد طبيعي لموقف تاريخي تتوارثه الأجيال.
إن الاختلاف في الرأي حق مكفول للجميع، لكن تحويله إلى حملات تستهدف النيل من الرموز الوطنية والرياضية لا يخدم إلا الانقسام، ولا ينتقص من قيمة رجل صنع تاريخًا كرويًا لاعبًا ومدربًا، ولا من قيمة موقف إنساني وجد صداه لدى ملايين المصريين والعرب.
إن الأوطان تُبنى بالعقل، والإعلام الحقيقي يرتقي بالنقاش ولا يهبط به. أما استغلال المنابر الإعلامية لإثارة الضجيج على حساب القضايا الكبرى، فلن يغير من الحقائق شيئًا، ولن يحجب حقيقة أن غزة تنزف، وأن الضمير الإنساني لا يعرف حدودًا ولا يخضع لحسابات المصالح.
ويبقى حسام حسن رمزًا رياضيًا مصريًا كبيرًا، وسيظل الإنجاز الذي حققه مع منتخب مصر صفحة مضيئة في تاريخ الكرة المصرية، أما حملات الهجوم، فسرعان ما تذروها الرياح، بينما تبقى المواقف الصادقة شاهدًا لا يمحوه الزمن.
بقلم: محمد عمر حفناوي
نائب رئيس الحزب الناصري














Leave a Reply