بقلم : د. محمد جمال الدين
يشهد المجتمع المصري في الآونة الأخيرة، ومع إنطلاق ماراثون امتحانات الثانوية العامة، حالة من السيولة النقدية والإضطراب السلوكي الذي يتجاوز حدود الشكوى التعليمية التقليدية، ليصبح ظاهرة سوسيولوجية تستدعي التأمل الفلسفي العميق، إذ إن المنظومة التعليمية الحديثة، التي تبنتها وزارة التربية والتعليم، لم تكن مجرد تعديل في المقررات أو تغيير في آليات التقييم، بل كانت بمثابة خلخلة معرفية، استهدفت الإنتقال بالعقل المصري من ثقافة الحفظ والتلقين الأبوية إلى آفاق التفكير الناقد، والفلسفي، والإبداعي، الذي يتطلبه العصر الرقمي الحديث، بيد أن هذه النقلة النوعية قد كشفت عن هوة سحيقة وفجوة حضارية، يعيشها السواد الأعظم من الأسر، إذ اصطدم الطموح التحديثي للدولة ببنية ثقافية واجتماعية هشة لدى فئات واسعة لا تملك الحد الأدنى من الوعي التربوي، فكانت النتيجة بزوغ “مسخ إنساني” فاقد للهوية، والقدرة على إدارة الذات، يمارس الهروب السيكولوجي من المسؤولية، عبر إلقاء اللوم على المؤسسة التعليمية.
حينما عجزت الأنماط التربوية التقليدية داخل الأسرة، عن مواكبة أسئلة تقيس الفهم العميق والقدرة على التحليل، لم يتجه العقل الجمعي لغالبية الأسر نحو مراجعة الذات أو نقد الذات، بل ارتد نحو آلية دفاعية نفسية وهي “الإسقاط”، فأصبحت الوزارة فاشلة، والنظام عقيمًا، والمناهج طلاسم تعجيزية، وتجلت هذه الأمية الثقافية في سيل الإشاعات التي تلوكها الألسن حول “لجان أبناء الأكابر” و”تغلغل الغش”، وإدعاء أن الأسئلة تأتي من خارج المناهج، دون تقديم مبرر موضوعي واحد لمعيار “الصعوبة”، سوى أنها لم تأت نصًا وفصًا من كراسات التلقين، بل وصل الأمر إلى حد الممارسات الغيبية والبدائية كالدعاء الجماعي على واضع الامتحان، في جهل مركب بآليات بناء الإختبارات الحديثة، والتي لا تقوم على هوى فردي، بل تصيغها لجان علمية ومصفوفات قياس دقيقة تخضع للمراجعة والتدقيق، وهذا النكوص الفكري يتنافى تمامًا مع التوجيه القرآني الذي يربط التغيير والنجاح بالداخل الإنساني أولاً، إذ يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}، فالأسرة التي ترفض تغيير نمط تفكيرها وتربيتها، لا يمكنها أن تجني ثمار نظام تعليمي يستهدف بناء الإنسان الناقد.
إن الصراخ والنحيب الذي نسمعه اليوم من صعوبة مادة اللغة العربية وقواعد النحو، هو العرض الظاهري لمرض باطني مزمن، ألا وهو “اغتراب الهوية”، فقد هرعت فئات واسعة من المجتمع وراء سراب التعليم التجريبي، ومدارس اللغات، والأنظمة الدولية “الإنترناشيونال”، ليس رغبة في العلم الحقيقي، بل بحثًا عن وجاهة اجتماعية زائفة وقيم استهلاكية، وخلال هذه الرحلة، أهملت الأسر لغتها الأم، وفصلت الأبناء عن سحر “الضاد” وبيانها، فكيف يرجون بيانًا وفهمًا في النحو والإعراب لمن استبدل بالثقافة العربية مسخًا هجينًا؟، هنا الوزارة لم تختر للآباء هذا التغريب، بل هم من قايضوا هويتهم بوجاهة وهمية، وينسحب هذا التفريط على الجانب القيمي والديني، إذ يعجز الطلاب عن حل أبسط أسئلة مادة التربية الدينية، ومن نجح فقد نجح بالصدفة البحتة، وهو مؤشر خطير على تجريف الوعي الروحي داخل البيت، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: ”كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ… وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا”، فحينما تسقط الأسرة مسؤوليتها في غرس قيم الدين وفصاحة اللسان، يصبح الحديث عن صعوبة الامتحانات محض تعمية عن الفشل التربوي الذاتي.
وسط هذا الضجيج والرماد الثقافي، تبرز الحقيقة الفلسفية الخالدة، الوجود لا يظلم المجتهدين، هل سنشهد هذا العام تفوقًا وأوائل للثانوية العامة؟، بالطبع نعم، ستشرق الشمس على بيوت عرفت معنى بناء الإنسان، بيوت خطط فيها الآباء والأمهات، وسهروا، وربوا أبناءهم على حب القيم والمبادئ، وعلموهم لغتهم العربية الشريفة، وغرسوا في نفوسهم تعاليم الأديان السمحة كدليل حركي في الحياة، لا كمجرد مادة للنجاح والرسوب، هؤلاء سيفرحون بحصادهم، لأنهم امتثلوا للوعد الإلهي المطلق، {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}، فالتفوق في ظل هذه المنظومة الحديثة ليس وليد الصدفة أو الحظ، بل هو نتاج الوعي الذي قاد للتكيف والعمل الذكي والتربية الصالحة.
إن أزمة الثانوية العامة الحالية ليست أزمة تعليمية، بقدر ما هي أزمة وعي مجتمعي واختبار حقيقي لبناء الإنسان، فالقطار الحديث للتطوير قد انطلق، ولن ينتظر من تشرنقوا في أوهام الماضي وثقافة التلقين، وعلى الأسر المصرية التي استسهلت إلقاء اللوم على كاهل الدولة والوزارة أن تمارس شجاعة المراجعة الوجودية، وأن تنظر بعين بصير، إلى جيرانهم وأقرانهم الذين تفوقوا في ذات الظروف، وتحت وطأة نفس الإمتحانات، فلقد حان الوقت لندرك أن بناء الإنسان يبدأ من مهد الأسرة، لا من غرف الإمتحانات، وأن إستعادة الوعي والثقافة والتربية الصالحة هي السبيل الوحيد للنجاة، بدلاً من البكاء على أطلال منظومة تعليمية بادت، ولن تعود.













Leave a Reply