فرق كبير بين المكان والمكانة

ترك الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل مؤسسة الأهرام يوم السبت الموافق 2 فبراير 1974، إثر قرار أصدره الرئيس أنور السادات بإنهاء عمله رئيسًا لمجلس الإدارة ورئيسًا للتحرير، بعد مسيرة استمرت نحو 17 عامًا منذ توليه المنصب في أغسطس 1957.

وقد سُئل هيكل، بعدما ترك مكانه في جريدة الأهرام: ماذا تقول؟ فكانت إجابته شافية، ودرسًا لكل مسؤول، قال الكاتب الكبير: «”لقد تركت مكانًا مُنح لي من قبل، ولكني صنعت لنفسي مكانة لا يستطيع أحد أن ينتزعها مني.”» فرق كبير بين المكان الذي يُمنح لك، وبمقدور من منحه لك أن يجردك إياه، وبين المكانة التي تصنعها أنت لنفسك، وبمقدورك أن تحافظ عليها وأن ترتقي بها.

وهذا ما يغيب عن كثيرين تبوؤوا الأماكن، وكانت لهم صولات وجولات، وعندما غادروا الكراسي فقدوا رونقهم؛ والسبب أنهم كانوا بالمكان، ولم يحفروا لأنفسهم مكانة. كانوا يستمدون القوة من الكرسي، وهو زائل وذاهب حتمًا لا محالة.

رأيت هؤلاء وهؤلاء، والأسماء لا تُعد ولا تُحصى، في كل المجالات.

رأيت من ترك الكرسي فمات يومها، وذهبت ريحه، ولم يعد يتذكره إلا شلة الأنس وكذابون اللفة.

ورأيت من حفروا لأنفسهم مكانة في قلوب الناس من خلال مسيرتهم الممتدة والطويلة، فلم يتأثروا بالرحيل، بل ازداد توهجهم، وصاروا مقصدًا لكل الناس. فهم أصحاب المشورة، يستنطقهم الناس، ويسمعون لهم، فهم أصحاب الرأي الحقيقي المجرد من الهوى.

المكان لا يمنحك صكًا بالبقاء… أما المكانة التي صنعتها لنفسك، فهي من تمنحك سر البقاء.

فكن منهم، ولن يتحقق ذلك إلا بمشوار طويل من العطاء، والتجرد، والنقاء.

الشيخ / سعد الفقي

كاتب وباحث

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *