قراءة في الشأن العربي.. الشرق الأوسط في مهب الريح

بقلم. محمد عمر 

لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمة عابرة يمكن احتواؤها ببيان سياسي أو وساطة دبلوماسية؛ فالمنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل حقيقية لموازين القوى والتحالفات والحدود السياسية والأمنية. وما يجري من سوريا إلى اليمن، ومن الخليج إلى شمال أفريقيا، ليس مجموعة أزمات منفصلة، وإنما حلقات مترابطة في صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي الذي سيحكم المنطقة خلال السنوات المقبلة.

والأخطر أن القوى الإقليمية والدولية لم تعد تتحرك وفق تحالفات ثابتة كما كان الحال لعقود؛ فالدول العربية والإقليمية بدأت تبحث عن بدائل أمنية وعسكرية وسياسية، بينما تحاول الولايات المتحدة وإخرائيل الحفاظ على أكبر قدر ممكن من النفوذ، في وقت تتقدم فيه الصين وروسيا وقوى أخرى لملء مساحات كانت حكرًا على الغرب.

أولًا: سوريا.. سقوط الأسد لم يكن نهاية الأزمة بل بداية صراع جديد

سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024 كان زلزالًا سياسيًا وعسكريًا غيّر معادلات الشرق الأوسط. لكن اختزال ما حدث في عبارة «إسقاط الأسد وتسليم سوريا لإخرائيل وأمريكا» يحتاج إلى قدر من التحليل.

فالنظام السوري السابق كان قد انهار بعد سنوات طويلة من الحرب والاستنزاف والتدخلات الخارجية، وصعدت إلى السلطة قيادة جديدة برئاسة أحمد الجولاني، الذي جاء من خلفية إسلامية مسلحة مثيرة للجدل وكما يقال أنه صناعة صهيوأمريكيه وقد سعت القيادة الجديدة منذ ذلك الحين إلى إعادة دمج سوريا في النظام الدولي، ونجحت في تحقيق انفتاح أمريكي وأوروبي وعربي أكبر كما في الظاهر وصولًا إلى تخفيف العقوبات الأمريكية على دمشق.

لكن هذا لا يعني أن سوريا أصبحت دولة مستقلة القرار بصورة مكتملة، وفي المقابل أنها أصبحت مجرد «دمية» في يد إخرائيل؟!!

الحقيقة الأكثر تعقيدًا أن سوريا أصبحت ساحة تنافس مفتوحة: إخرائيل تحاول فرض واقع أمني جديد في الجنوب، وتركيا تمتلك مصالح عميقة في الشمال، والولايات المتحدة تسعى إلى التأثير في ترتيبات الأمن ومكافحة الجماعات المسلحة، بينما تحاول دمشق الجديدة استعادة السيادة وإعادة بناء الدولة.

والدليل أن إخرائيل عززت وجودها العسكري داخل الأراضي السورية، وهو ما دفع لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى التحذير من أن بعض العمليات الإخرائيلية قد ترقى إلى جرائم حرب، ووصفت اللجنة الوضع بأنه يمثل انتهاكًا للسيادة السورية.

وفي الوقت نفسه، فإن المفارقة الكبرى أن الرئيس السوري أحمد الجولاني نفسه أعلن أن بلاده تسعى إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، مع التأكيد على عدم التخلي عن المطالبة بالجولان.

وهنا تكمن المعضلة:

سوريا لم تعد سوريا الأسد، لكنها لم تصبح بعد سوريا المستقرة ذات القرار الوطني المستقل.

والسؤال هنا ليس«هل سقط الأسد؟» وإنما:

من سيملك القرار السوري بعد الأسد؟

وهذا هو الصراع الذي لم يُحسم بعد.

ثانيًا: الخليج واليمن.. أخطر جبهة مفتوحة في المنطقة

إذا كانت سوريا تمثل المعركة على مستقبل المشرق، فإن اليمن يمثل اليوم المعركة على أمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب.

التطورات الأخيرة جعلت الحوثيين، المدعومين من إيران، لاعبًا لا يمكن تجاهله في أي معادلة أمنية إقليمية. فقد تمكن الحوثيون في سبتمبر 2026 من تحقيق تقدم كبير على الساحل الغربي اليمني والوصول إلى جزيرة بريم في باب المندب، الأمر الذي رفع المخاطر على واحدة من أهم طرق التجارة والطاقة في العالم.

وهنا نفهم أهمية التحالف الدفاعي الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في اتفاق مكة للدفاع المشترك في أغسطس 2026.

الاتفاق ينص بصورة أساسية على اعتبار أي هجوم مسلح على دولة من الدول الثلاث هجومًا على الجميع، وهو ما يعطيه طابعًا قريبًا من منطق الدفاع الجماعي.

لكن من الخطأ الجزم بأن الهدف المعلن للتحالف هو «ضرب الحوثيين». فالنص الرسمي دفاعي، بينما يمكن سياسيًا وعسكريًا قراءة التطورات اليمنية باعتبارها أحد أهم الاختبارات العملية لهذا التحالف.

وقد أصبحت هذه الفرضية أكثر واقعية بعد تصريحات وزير الدفاع الباكستاني في سبتمبر، التي قال فيها إن استمرار الهجمات الحوثية على السعودية يمكن أن يؤدي إلى تفعيل اتفاق الدفاع المشترك.

وهنا تظهر أهمية الموقف المصري.

مصر تقرأ المشهد بحسابات مختلفة

القاهرة لم تنضم إلى اتفاق مكة حتى الآن، وهو موقف يمكن فهمه في ضوء عقيدة مصر العسكرية والسياسية التي ترفض الانجرار بسهولة إلى حروب خارج الحدود لا تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.

مصر ليست بعيدة عن المعادلة؛ فهي صاحبة المصلحة الأكبر في أمن البحر الأحمر وقناة السويس، وأي اضطراب طويل الأمد في باب المندب ينعكس بصورة مباشرة على حركة الملاحة والدخل القومي المصري.

لكن القاهرة في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول إلى طرف في صراع سعودي ـ إيراني أو تركي ـ إيراني أو إخرائيلي ـ إيراني.

وهذا يفسر استمرار صيغة المجموعة الرباعية R4 التي تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، والتي بحثت بالفعل قضايا الاستقرار الإقليمي وخفض التصعيد.

ومن هنا يمكن قراءة الموقف المصري باعتباره محاولة للاحتفاظ بمسافة استراتيجية تسمح للقاهرة بأن تكون جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي دون أن تصبح رهينة لها.

ثالثًا: مصر.. سياسة «تنويع القوة» بدل الارتهان لمحور واحد

ربما يكون أهم ما يميز السياسة المصرية خلال السنوات الأخيرة هو إدراك القاهرة أن امتلاك جيش قوي لا يكفي إذا كان تسليحه قائمًا على مصدر واحد.

لذلك اتجهت مصر إلى تنويع مصادر التسليح والعلاقات الدفاعية، فوسعت التعاون مع فرنسا وألمانيا وروسيا والصين وكوريا الجنوبية وغيرها، مع استمرار العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

وهذا لا يعني أن مصر تخلت عن واشنطن، بل العكس؛ فالعلاقة المصرية الأمريكية ما زالت ذات وزن كبير، والرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه أكد في لقاءاته أهمية العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.

لكن القاهرة في الوقت ذاته تبني ما يمكن تسميته الاستقلال النسبي في القرار الاستراتيجي.

وهنا تأتي أهمية العلاقة المصرية الصينية المتنامية. فقد شهد عام 2026 توسعًا واضحًا في التعاون المصري الصيني في المجالات الأمنية والاقتصادية والعسكرية، بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، حيث جرى الحديث عن تعميق التعاون في الأمن ومكافحة الإرهاب، فضلًا عن العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية.

كما أن استضافة مصر لمعرض ومجالات تعاون دفاعي بمشاركة روسيا والصين وتركيا ودول أخرى تؤكد أن القاهرة تريد أن تتحول من مجرد مستورد للسلاح إلى لاعب قادر على بناء شبكة علاقات دفاعية متعددة الاتجاهات.

وهذا بالتحديد ما يجعل مصر دولة يصعب وضعها داخل «محور» واحد.

القاهرة لا تريد أن تكون تابعة لواشنطن، ولا تابعة لموسكو، ولا لبكين، ولا لأنقرة، ولا لأي عاصمة أخرى.

إنها تريد أن تتعامل مع الجميع وفقًا لمصالح الدولة المصرية.

رابعًا: الجزائر والإمارات.. أزمة تكشف عمق الانقسام داخل النظام العربي

القرار الجزائري بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات في 10 سبتمبر 2026 يمثل واحدًا من أكثر التطورات السياسية العربية إثارة للانتباه في المرحلة الراهنة.

الجزائر قالت رسميًا إنها اتخذت القرار بعد «أعمال استفزازية وعدائية» وبعد استنفاد الوسائل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية، وأبلغت السفير الإماراتي بقرار قطع العلاقات ومنحته مهلة للمغادرة.

ولا ينبغي التعامل مع القرار باعتباره مجرد خلاف دبلوماسي عابر.

فالعلاقات الجزائرية ـ الإماراتية شهدت خلال السنوات الأخيرة تباينًا واضحًا في عدد من الملفات الإقليمية، من قضية الصحراء الغربية إلى الأزمات الأفريقيةوالسودان ودعمها للمليشيات المناهضة للدولة بالمال والسلاح، والملف الليبي والتعامل مع إخرائيل.

لكن من المهم هنا تصحيح نقطة أساسية: لا توجد، وفق المعطيات المتاحة حاليًا، مؤشرات موثوقة على أن موريتانيا أو السودان قطعا العلاقات مع الإمارات بعد القرار الجزائري.

بل إن المعطيات المتاحة تشير إلى استمرار العلاقات الإماراتية ـ الموريتانية، ووجود لقاءات رسمية بين قيادتي البلدين خلال عام 2026، كما أن موريتانيا استمرت في التواصل الرسمي مع أبوظبي.

وهذا التصحيح لا يقلل من أهمية القرار الجزائري؛ بل يجعله أكثر دلالة.

فالجزائر لم تعد تريد، على ما يبدو، أن تتعامل مع بعض التحركات الإماراتية في المنطقة باعتبارها مجرد سياسة خارجية لدولة عربية شقيقة، وإنما تنظر إليها من زاوية تأثيرها في الأمن القومي الجزائري والمغاربي والأفريقي بتدمير الدول العربية وتفككها لصالح الكيان الصهيوني.

خامسًا: الشرق الأوسط أمام نظام إقليمي جديد

عند جمع هذه الملفات معًا، سنكتشف أننا أمام خمسة مسارات متزامنة:

أولًا: إخرائيل تحاول توسيع هامشها الأمني والعسكري خارج حدودها، خصوصًا في سوريا ولبنان وغزة.

ثانيًا: إيران تحاول الحفاظ على أوراقها الإقليمية، وفي مقدمتها الحوثيون، رغم الضغوط العسكرية والسياسية الكبيرة التي تعرضت لها.

ثالثًا: السعودية بدأت تبحث عن ترتيبات أمنية لا تعتمد بالكامل على المظلة الأمريكية، وهو ما يظهر بوضوح في اتفاق مكة مع تركيا وباكستان.

رابعًا: تركيا تتحرك بصورة أكثر استقلالًا، وتسعى إلى تحويل قوتها العسكرية والصناعية وموقعها الجغرافي إلى نفوذ إقليمي أكبر.

خامسًا: مصر والجزائر وغيرهما من القوى العربية التقليدية تحاولان منع انتقال مركز القرار العربي بالكامل إلى عواصم أخرى.

وهنا يصبح السؤال الأكبر:

هل نحن أمام نهاية النظام العربي التقليدي؟

ربما.

فالمنطقة لم تعد محكومة فقط بالصراع العربي ـ الإسرائيلي كما كان الحال لعقود، وإنما دخلت إليها صراعات متعددة:

عربي ـ إيراني.

تركي ـ إيراني.

إخرائيلي ـ إيراني.

تركي ـ إخرائيلي بصورة غير مباشرة.

تنافس عربي ـ عربي.

صراع على النفوذ في أفريقيا والقرن الأفريقي.

صراع على البحر الأحمر وباب المندب.

وتنافس دولي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.

كل هذه الصراعات تتقاطع فوق أرض واحدة هي الشرق الأوسط.

وماذا عن مصر؟

ربما تكون الإجابة المصرية الأكثر أهمية هي عدم التسرع.

القاهرة تعرف أن المنطقة تتغير، لكنها تعرف أيضًا أن التحالفات التي تُبنى تحت ضغط الأزمة قد تتحول غدًا إلى قيود على القرار الوطني.

ولهذا تبدو السياسة المصرية بقيادة السيسي قائمة على ثلاث قواعد:

جيش قوي، وعلاقات متعددة، وقرار مستقل.

مصر ليست بحاجة إلى الدخول في كل معركة حتى تثبت قوتها.

قوتها الحقيقية أنها تستطيع أن تتدخل عندما تكون مصالحها مهددة، وأن تتراجع عندما ترى أن الحرب ليست حربها، وأن تحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات مع واشنطن وموسكو وبكين وباريس وبرلين وأنقرة والرياض.

وهذه ليست سياسة حياد، وإنما سياسة توازن استراتيجي.

«وختاما لنا ملخص هام»

الشرق الأوسط اليوم ليس فقط «في مهب الريح»؛ بل يقف أمام مرحلة إعادة رسم للنفوذ قد تستمر سنوات.

سوريا تبحث عن دولة جديدة بعد سقوط الأسد وفقد هويتها العروبية ووصول داعشي للسلطة ولا أمل الا بنظام وطني وليس عميل ، واليمن تحول إلى مفتاح لأمن البحر الأحمر، والخليج أصبح مسرحًا لصراع مفتوح، والسعودية تعيد بناء منظومتها الأمنية، وتركيا توسع نفوذها، وإيران تقاتل للحفاظ على أوراقها، وإخرائيل تحاول فرض وقائع أمنية جديدة، بينما تتقدم الصين وروسيا تدريجيًا في الفراغات التي يتركها التراجع النسبي للنفوذ الأمريكي.

وفي قلب كل ذلك تقف مصر.

لا باعتبارها دولة تريد قيادة الجميع، ولا باعتبارها دولة تبحث عن صدام مع أحد، وإنما باعتبارها دولة تدرك أن من يفقد استقلال قرار الحرب والسلم يفقد جزءًا كبيرًا من سيادته.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة لن تكون فقط معركة صواريخ وطائرات وجيوش.

ستكون معركة من يمتلك القرار، ومن يملك القدرة على المناورة، ومن يستطيع أن يحافظ على دولته وسط عاصفة إقليمية لا يبدو أنها ستنتهي قريبًا.

وفي هذه المعادلة، قد تكون الدول التي تملك جيشًا قويًا، واقتصادًا قادرًا على الصمود، وعلاقات متعددة، وقرارًا وطنيًا مستقلًا هي الدول الأقل تعرضًا لرياح المرحلة المقبلة.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *