دراماتورجيا التراكم الجليل: إضاءات على القائمة الطويلة لجائزة علاء الجابر

بقلم : د. محمد جمال الدين 

حين يرتاد الفكر الإنساني عتبات المسرح، فإنه لا يمارس مجرد طقس عابر للفرجة، بل يخوض مغامرة أنطولوجية كبرى تفكك الوجود، وتعيد تركيب دلالاته على مذهب التأويل الخلاق، والمسرح بوصفه “أبو الفنون” والمرآة الأكثر جلاءً لتعقيدات الروح البشرية، يظل بحاجة ماسة إلى حارس أمين، ومشرح فذ يقرأ ما بين السطور، ويسبر أغوار النص والعرض، من هنا تتأتى الضرورة الفلسفية والتاريخية للمقال النقدي، باعتباره الرئة الثالثة التي يتنفس بها الإبداع المسرحي، والرافد الحقيقي الذي يحول العابر إلى خالد، والزائل إلى أثر يبقى في ذاكرة الأجيال.

​وفي هذا السياق الحضاري المترامي، تبرز جائزة علاء الجابر، للإبداع المسرحي في مجال المقال النقدي، كمنارة فارقة في المشهد الثقافي العربي المعاصر، حاملة على عواتقها أمانة الإرتقاء بالذائقة، وتأسيس تقاليد نقدية وإبداعية راسخة تتجاوز حدود الإستهلاك السطحي إلى تخوم العمق المعرفي والجمالي، ولعل المتابع لإشراقة الدورات المتعاقبة لهذه الجائزة، وتألقها المتسارع دورة بعد أخرى، يؤكد أن تلك الجائزة تعكس إيماناً راسخاً بأن الثقافة العربية لا تموت بل تتجدد، وبأن النقد المسرحي الجاد هو طوق النجاة في زمن السيولة الوجودية والمعيارية.

وهو ما أكدت عليه الكاتبة والناقدة د. صفاء البيلي، المنسق العام للجائزة، في تصريحاتها الدورية وتوجيهاتها التنظيمية، من حرص إدارة الجائزة الدائم على تذليل كافة العقبات أمام النقاد الشباب والمخضرمين على حد سواء من مختلف أرجاء الوطن العربي، وهي التصريحات التي لاقت ترحيب وصدي كبير، عكسته القوائم الطويلة والقصيرة لفرع المقال النقدي في دورات الجائزة المختلفة، إذ تتجلى بين ثناياها خارطة جغرافية وفكرية واسعة النطاق، إذ تستقطب الجائزة عشرات المشاركات الرصينة من قامات نقدية واعدة وأقلام شابة تحتفي بالعروض المسرحية العربية الجديدة والحديثة، وتبرز أسماء النقاد وعناوين مقالاتهم النقدية، التي تفحص مفاصل العروض المسرحية، وتفكك بنيتها الإخراجية والتمثيلية والديناميكية، وفق منهجيات نقدية دقيقة.

و​بالقفز فوق السطح المباشر للأخبار والبيانات الصادرة عن إدارة الجائزة، وتحليل مضامين التصريحات الصحفية والرسمية للمنسق العام د. صفاء البيلي وقيادات مؤسسة “زادة للتنمية والمرأة” برئاسة الأستاذة الدكتورة رانيا يحيي، يتكشف لنا بُعد استراتيجي عميق، وهو

​التعاطي الواعي مع الظروف العربية المحيطة، إذ أشارت التصريحات في بعض محطات الإطلاق إلى التحديات والظروف الإقليمية والسياسية، مثل ظروف الحروب والأزمات التي تحيط بالمنطقة، ، إلا أن الإصرار على استمرار الجائزة وتطويرها يمثل فعلاً مقاومة ثقافياً بامتياز، إذ يؤكد أن شعلة الإبداع المسرحي والنقدي لا يمكن أن تنطفئ مهما اشتدت العواصف، كما عكست التصريحات المتعلقة برفع قيمة الجوائز المالية في الفروع المختلفة، وفي مقدمتها فرع المقال النقدي، رؤية تنموية واعية لحاجة المبدع والناقد العربي لدعم مادي ومعنوي، يحفظ كرامته ويسهم في تفرغه للإبداع والتحليل، فقد تضاعفت مبالغ الجوائز للمراكز الأولى، لتتحول الجائزة من مجرد تكريم رمزي إلى استثمار حقيقي في الطاقات النقدية الواعدة.

​وتسعى إدارة الجائزة برئاسة الكاتب القدير الدكتور علاء الجابر، ربط كل دورة جديدة باسم علم من أعلام النقد المسرحي الراحلين مثل دورة الناقد الكبير الدكتور حازم عزمي، والناقدة رانا أبو العلا، والناقد القطري حسن حسين جابر، وغيرهم، وهو ما يمثل جسراً تاريخياً واصلاً بين أجيال الحركة النقدية العربية، وتكريساً لعرفان المؤسسة بالفضل لأولئك الذين غرسوا شجرة النقد في التربة العربية الخصبة.

و​تزداد جائزة علاء الجابر للإبداع المسرحي بريقاً وتألقاً مع إطلالة كل دورة جديدة، لا بحكم الزيادة المادية في قيمة الجوائز فحسب، بل لتجذرها الأصيل في وجدان الحركة المسرحية العربية، إذ نجحت الجائزة في ترسيخ تقاليد صارمة تجعلها محط أنظار واحترام الوسط الثقافي بأسره، كما ​تكمن أصالة الجائزة في كونها لا تنعزل عن الواقع المسرحي الحي، بل تشترط أن يكون النقد مرتبطاً بعروض حية ومعاصرة، مما يجعل المقال النقدي المشارك وثيقة حية تقبض على جمر اللحظة المسرحية العابرة وتعيد إنتاجها نقدياً، وهذا الإشتباك الخلاق بين النص النقدي والعرض المسرحي الحي يمنح الجائزة فرادة إستثنائية، ويجعلها مختبراً حقيقياً لتوليد المفاهيم الجمالية وتطوير أدوات التلقي النقدي في المسرح العربي.

​واحدة من أبرز السمات الجوهرية التي تضمن لجائزة علاء الجابر مكانتها المرموقة وسمعتها الناصعة، هي الشفافية المطلقة والحيادية الصارمة التي تحكم عمل لجان التحكيم عبر الدورات المختلفة، إذ وضعت إدارة الجائزة آليات صارمة تضمن أعلى درجات النزاهة والموضوعية الأكاديمية والفنية، من خلال تكوين لجان تحكيم عربية ذات قامات مرموقة،إذ تُشكل لجان التحكيم سرياً من نخبة الأسماء والرموز النقدية والأكاديمية المرموقة الموزعة على مختلف الأقطار العربية، مما يضفي على النتائج شرعية وموثوقية عالية، كما تتضمن الآلية المتبعة أن أعضاء لجان التحكيم لا يعرفون بعضهم البعض بشكل مسبق أو أثناء عملية الفرز والتقييم الحر، والأهم من ذلك أنهم لا يعرفون أسماء النقاد أصحاب المقالات، إذ تُحجب البيانات الشخصية للمشاركين تماماً وتعتمد الأبحاث على العناوين فقط وفق أرقام أو رموز سرية تمنع أي تضارب للمصالح أو تحيز شخصي أو جهوي.

كما إن منع أي شكل من أشكال التدخل الخارجي، وإقتران ذلك بإلتزام المشاركين بعدم الإنسحاب أو الإعتراض غير المبرر على مخرجات اللجان السرية، يوفر بيئة تحكيمية تشبه المختبر العلمي النقي، حيث لا يصح إلا الصحيح، ولا يعلو إلا صوت الكفاءة النقدية والعمق التحليلي الخالص، و​هذا الجدار الحصين من الشفافية والحياد هو ما يمنح الفائزين والمتأهلين في القوائم الطويلة والقصيرة شعوراً حقيقياً بالفخر والإعتزاز، لأن وصولهم جاء ثمرة خالصة للجهد الفكري والبحثي، بعيداً عن أية حسابات ضيقة أو مجاملات شخصية.

وتتوج الدورة السادسة 2026 من جائزة علاء الجابر للإبداع المسرحي، في مجال المقال النقدي، والتي تحمل اسم “دورة الناقد القطري الراحل”، مسيرتها المعرفية بإعلان القائمة الطويلة لفرع المقال النقدي، والتي ضمت نخبة من الأقلام الواعدة والمتميزة من مختلف أرجاء الوطن العربي، وتأتي أسماء النقاد المشاركين في هذه القائمة وعناوين مقالاتهم النقدية والبلدان التابعين لها مرتبة أبجدياً، حيث يشارك من مصر الناقد أحمد الشريف بمقاله “حواديت جماليات الحكي وصناعة الممثل”، والناقد إياد الريموني من الأردن بمقاله “طاولة القهر وساحة الإنكشاف، قراءة لعرض فرصة أخرى”، والناقد إيهاب ذو الفقار من مصر بمقاله “بداخلك قد ترى النور”

​كما تضم القائمة من مصر أيضاً الناقد حسام الدين مسعد عن مقاله “الفضاء المفتوح بصفته بنية قمعية، قراءة لعرض الأولاد الطيبون يستحقون العطف” ، والناقد رفعت محمد عن مقاله” إنتاج الزيف وسقوط الأقنعة، قراءة لعرض سقط حر”، والناقدة ريهام رشوان عن مقالها” محاكمة التحيز لا محاكمة المتهم – قراءة في عرض أحد عشر شخصاً غاضباً”، والناقدة سارة عبد المنعم عن مقالها “كورُستروما” تمازج الفن والتاريخ في رقصة واحدة”، ​وتتواصل الأسماء المصرية في القائمة الطويلة بوجود الناقد محمد النجار عن مقاله “الفندق جدلية الجبر والاختيار”، والناقد محمد ياسين عن مقاله “عبء الوجود وإشكالية الإختلاف في عرض يظل ظل”، والناقد منتظر نبيه عن مقاله “السينوغرافيا وتشكيل الفضاء النفسي في المسرح التعبيري، قراءة لعرض المصلحة”، والناقدة منيرة العبد الجادر من الكويت عن مقالها “عيال إبليس بين الوسوسة وإعادة التدوير”

​وتشمل القائمة كذلك الناقدة نبيلة قطب من مصر عن مقالها “أكثر من وجه للحقيقة، تقنية راشومون في عرض من زاوية أخرى”، والناقدة هبة رجب من مصر عن مقالها “تأويلية الظل في المسرح النسوي البيئي المعاصر، قراءة لعرض الجدار”، والناقدة ولاء الشامي من مصر عن مقالها “الجسد المعاصر وتمثلات السلطة، قراءة في مونوودراما الحجز”، وأخيراً الناقدة ياسمين الصادق من مصر عن مقالها “دراماتورجيا التراكم الجليل، قراءة لعرض جسم وأسنان وشعر مستعار”، وقد أُرفق بالترتيب التنظيمي للإعلان تأكيد على أن الأسماء مرتبة أبجدياً ولا علاقة لها بمراكز الفوز.

إن مسابقة علاء الجابر للإبداع المسرحي في مجال المقال المقدي، دورة بعد الأخرى تخطو خطواتها الواثقة نحو المستقبل مدججة بروح الأصالة والمعاصرة، وتثبت يوماً بعد يوم أن الفن المسرحي والنقد المُواكب له هما الحصن الأخير للدفاع عن إنسانية الإنسان ووعيه الجمالي، في عالم يغرق في التسطيح والإستهلاك، والقائمة الطويلة لفرع المقال النقدي والتي أعلنت اليوم ليست مجرد حصر لأبيات من القول أو صفحات من التحليل، بل هي وثيقة إدانة للركود، وصك براءة للمخيلة العربية التي تأبى إلا أن تظل حية وفاعلة، ومساءلة للواقع فوق خشبة المسرح وفي أروقة الفكر، وحين تتضافر الحيادية الصارمة للجان التحكيم مع أصالة الأهداف ونبل الغايات، تظل هذه الجائزة شمعة مضيئة في أغوار الليل الثقافي، تؤكد أن الكلمة الناقدة الواعية هي وحدها القادرة على إعادة بناء عوالمنا المكسورة، وبعث الروح في جسد المسرح العربي ليبقى أبداً، مرآة للحق والخير والجمال.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *