عبد الناصر .. النبي المأزوم، والديكتاتور المهزوم!
د. ايمن منصور ندا يكتب:
في العلوم السياسية، تشير كثير من الدراسات إلى أهمية العامل النفسي للقادة في اتخاذ القرارات، وصناعة السياسات.. وتشير هذه الدراسات أيضاً إلى أنَّ مدركات الحاكم عن نفسه، وتصوراته عن الموضوعات المختلفة قد يكون لها تأثير على صناعة السياسات أكثر من الحقائق الموضوعية ذاتها؛ ومن ثمَّ، فإنَّ معرفة السمات النفسية للحاكم/ القائد، وتحليل الخريطة الإدراكية له يعتبر عنصراً مهمَّاً من عناصر تحليل السياسات.
ويعدُّ مصطلح “مفتاح الشخصية” أحد أهم المصطلحات التي صاغها الأستاذ عباس العقَّاد في عبقرياته، ولفت الأنظار إليها في دراسة القادة والشخصيات العظيمة.. ويقوم هذا المفهوم على أنَّ الشخصية تمتلك عنصراً نفسياً مركزيّاً، إذا عُرِف، أمكن تفسير سلوكها السياسي.. وفي كتاب “عبقرية عمر” أشار العقَّاد إلى أنَّ لكلِّ شخصية إنسانية “مفتاحاً” “يفتح لنا أبوابها، وينفذ بنا وراء أسوارها وجدرانها”.. وهذا المفتاح ليس وصفاً للبيت، أو تمثيلاً لشكله واتساعه، بل هو مجرد أداة لها وظيفة هي فتح الباب وحسب.. وكذلك، الشخصيات، فلكلٍّ منها “مفتاح يسهل الوصول إليه أو يصعب على حسب اختلاف الشخصية.. فربَّ بيت شامخ عليه باب مكين يعالجه مفتاح صغير، وربَّ بيت ضئيل عليه باب مزعزع يحار فيه كلُّ مفتاح”..
مفتاح شخصية عبد الناصر
يمكن الإشارة إلى أنَّ مفتاح شخصية الرئيس عبد الناصر هو “الزعيم الكاريزمي الضحية”، أو “النبي السياسي المأزوم”، أو “المُخَلِّص المهزوم”.. الفكرة الرئيسة التي تلخِّص مسيرة الرئيس عبد الناصر هي القائد النبيل صاحب الرسالة الكبيرة التي يعجز عن تحقيقها.. و”رجل الأقدار” الذي يحقِّق إرادة الأمة ويصنع التاريخ، رغم الصعاب.. تشكَّلت هذه العقيدة من منابع نفسية وتاريخية متعددة: منها نشأته في بيئة وطنية متأثرة بالاحتلال الإنجليزي، وتجربته في حرب 1948.. كان عبد الناصر يعتقد أنَّ الخلاص لا يكون إلا عبر قيادة مركزية تمتلك رؤية أخلاقية لا تُنَاقش.. هذا الاعتقاد جعله يمزج بين الرسالة الثورية والوصاية السياسية، فمارس السلطة بمنطق المُخَلِّص لا بمنطق المُؤَسِس (Paternalistic Personality Orientation).. وفي عهده، تم تركيز القرار في يده، وغاب النقد المؤسسي، وضعفت الخبرات الفنية المستقلة، وتم الاعتماد على أهل الولاء لا على أهل الخبرة.. وعندما جاءت النكسة، انكشف زيف الواقع، وتحوَّلت النُبُوَّة السياسية والنمط القيادي القائم على الكاريزما والإيمان الذاتي، إلى مأزق بنيوي أنهى مرحلة بكاملها في التاريخ العربي الحديث..
كان الرئيس عبد الناصر مثالاً للتناقض الصارخ بين الواقع والصورة! لم ينتصر عبد الناصر في أية معركة (عسكرية) دخلها (1948، 1956، اليمن، 1967)، ورغم ذلك، يتم النظر إليه باعتباره قائداً عسكرياً ناجحاً.. وفشل في تحقيق الوحدة الكبرى (الدول العربية) أو الصغرى (مع سوريا).. ورغم ذلك يتم النظر إليه باعتباره باعث القومية والوحدوية العربية.. وتسلَّم عبد الناصر دولة كاملة لها اقتصادها القوي وعُمْلَتها القوية، وتركها مديونة، ومُحْتَلَّة.. ورغم ذلك يتم النظر إليه باعتباره باعث النهضة المصرية الجديدة، وباني مصر الحديثة (بعد محمد علي باشا)، ورمز الاستقلال والتحرر من الاستعمار!!
ولعل السمة النفسية الأساسية والخصيصة العقلية الرئيسة في شخصية الرئيس عبد الناصر هي الاستغراق في “وهم القدرة الفردية على الخلاص الوطني”؛ فهو المنقذ لمصر، وهو الذي “علمهم الكرامة”، وحامل رسالة التطوير والتحديث، إضافة إلى التفاؤل المفرط الذي جعله يقع في خطأ القرارات المصيرية دون حساب دقيق للعواقب (إغلاق مضيق تيران نموذجاً).. وأخيراً النرجسية السياسية وحب الاستعراض الرمزي، من خلال الاحتفالات الكبرى، والخطابة العاطفية الزاعقة، والحديث الشعبوي المؤثر.. هذه السمات صنعت فُقَّاعة من الوهم السياسي، جعلت عبد الناصر يرى الصورة المثالية أكثر من الصورة الواقعية..
الطابع الأبوي للقيادة
يعدُّ مفهوم الطابع الأبوي للقيادة Paternalistic/Patriarchal Leadership من أكثر الأنماط شيوعاً في المجتمعات الشرقية، وفي الدول النامية.. ويستند هذا المفهوم إلى فكرة أنَّ الحاكم هو “الأبّ”، وأنَّ الشعب هم “الأبناء” الذين يحتاجون إلى رعاية، وتوجيه، وحماية، أكثر من حاجتهم إلى المشاركة، أو المحاسبة.. وفي هذا النمط، تُبنَى العلاقة بين الحاكم والمجتمع على أساس العاطفة، والوصاية، والهيبة، أكثر من كونها علاقة مؤسساتية قائمة على العقد الاجتماعي والمساءلة والمحاسبة.. (نزلت علينا كتاباً جميلا.. ولكننا لا نجيد القراءة….. لماذا قبلت المجيء إلينا؟ فمثلك كان كثيراً علينا… وكنت الصديق، وكنت الصدوق، وكنت أبانا!!).
وفي هذا النظام، يتجسَّد الحكم في شخص القائد؛ فيصبح هو مصدر الشرعية، ومركز القرار، وتُختَزل الدولة في إرادته، وترتبط إنجازات الأمة باسمه/ وإخفاقاتها بغيره (يا جمال يا مثال الوطنية… صورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة).. ويكون الحاكم هو المرجع، باعتباره الحاكم العادل، والأبّ الرؤوف، والزعيم المُلهَم.. ويُقدَم الأبّ القائد في صورة مهيبة، تُحاط بالطقوس والرموز التي تكرِّس الفارق بينه وبين المحكومين.. وفي هذا النظام، تضعف آليات المحاسبة، ويصبح الولاء الشخصي معيار الترقي والمكانة داخل النظام، وليست الكفاءة أو القانون..
كان الرئيس عبد الناصر النموذج الأوضح للقيادة الأبوية في مصر الحديثة.. كان زعيماً كاريزمياً، جمع في شخصه صورة الأبّ، والمُنقِذ، والمُعَلِّم، والقدوة، وخاطب المصريين والعرب بلغة العائلة: “أيُّها الإخوة / أبنائي”، “يا إخوتي في اليمن”، “يد واحدة، قلب واحد، رجل واحد”.. وتعامل مع الشعب بوصفه “مشروع تربية”، واعتمد على الخطاب العاطفي والرمزي أكثر من المؤسسي، وألغى الحياة الحزبية، وأضعف مؤسسات الدولة المدنية، وترك نظاماً تابعاً للزعيم أكثر من الدولة، وظهرت أخطاء هذه الدولة وزيفها في نكسة 1967، وما بعدها… لقد أسس عبد الناصر بتبنيه لهذا النموذج، بقصد أو غير قصد، للخطايا السياسية التي ارتكبها الذين جاءوا بعده، وأصبح قياساً معيارياً يُقاس عليه رغم تغير الظروف والأحوال!
وهكذا لم تكن النكسة حادثاً وقع خارج عبد الناصر، بل مرآةً كشفت ما كان كامناً في داخله: الزعيم الأب، والمُخلِّص المُلهَم، والرجل الذي ظنَّ أنَّ إرادته تكفي لتعويض غياب المؤسسات.. لقد هزمته إسرائيل عسكرياً، لكنَّ صورته عن نفسه هزمته قبل ذلك سياسياً ونفسياً؛ إذ لم يرَ في الشعب مواطنين شركاء، بل أبناءً ينتظرون خطاب الأبّ بعد الكارثة.
إضافة إلى ما سبق، فقد عانى الرئيس عبد الناصر مما يمكن تسميته “عقدة المسيح المُخلِّص” Messiah Complex؛ فبدا كالمسيح السياسي الذي أراد خلاص الأمة، فانتهى إلى صليب الهزيمة! وهي عقدةٌ “شرحها يطول.. “، نخصص لها حديث الغد إن شاء الله..

Average Rating