القواعد الأميركية والسيادة في الخليج!
محمد حماد يكتب: *
لم تعد القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في دول الخليج العربي مجرد منشآت دفاعية معزولة، بل صارت أراضيها محورًا استراتيجيًا يربط بين الطاقة، وأمن الملاحة، واستقرار الأنظمة الحليفة.
هذا الواقع يطرح سؤالًا منطقيًا: هل تستطيع دول الخليج الحفاظ على سيادتها في ظل وجود قوة عسكرية أمريكية على أراضيها؟
في الواقع العملي، يبدو الفصل بين الدولة الخليجية و”القواعد الأجنبية” شبه مستحيل. فالوجود الأميركي أصبح جزءًا من منظومة الأمن والسياسة التي تشكّل خيارات الدولة نفسها وتعيد رسم حدود حركتها.
نظريًا، يمكن التمييز بين مستويين: الأول، الدولة بوصفها مجتمعًا له تاريخه وثقافته وحقه في تقرير مصيره والسيادة على أرضه؛ والثاني، الوجود العسكري الأجنبي بوصفه نتاج تحالفات أو ضغوط دولية مرتبطة بظروف إقليمية محددة.
لكن مثل هذا الفصل يظل أقرب إلى النظرية منه إلى الواقع، لأن استقلال القرار الاستراتيجي غالبًا ما يصطدم بالاعتماد الأمني والاقتصادي العميق على الولايات المتحدة.
بهذا المعنى، تعيش الدول الخليجية حالة ازدواجية: سيادة رسمية من جهة، وارتباط عضوي بالوجود العسكري الأميركي من جهة أخرى.
السؤال الكبير اليوم هو: كيف يمكن لهذه الدول أن تتجنب أن تصبح جزءًا من حرب قد تُفرض عليها؟
حين تتحول أراضي الدولة إلى محور في شبكة عسكرية أميركية، فإن أي صراع كبير تشارك فيه تلك القواعد يهدد بالامتداد تلقائيًا إلى أراضيها، سواء أرادت الدولة ذلك أم لم ترده.
التحدي الحقيقي ليس فقط في إدارة التحالفات، بل في القدرة على منعها من أن تتحول، في لحظة اشتعال إقليمي، إلى طريق يجرّ الدولة إلى حرب لم تخترها.
التطورات الجارية في المنطقة تجعل هذا السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: فحين تنطلق الطائرات من قواعد الخليج، أو تُستخدم الموانئ والمياه الإقليمية في عمليات عسكرية أميركية، يصبح من الصعب إقناع الرأي العام بأن هذه الدول كيانات محايدة لا علاقة لها بما يجري.
وهنا تحديدًا تتكشّف المفارقة الكبرى: فالدولة التي تستضيف القوة العسكرية الأعظم في العالم لا تستطيع دائمًا أن تفصل بين سيادتها الوطنية وبين الأدوار التي تُفرض عليها بحكم هذا الوجود.
مع كل أزمة إقليمية جديدة، يتقلّص هذا الهامش أكثر فأكثر، حتى يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط عن طبيعة الوجود الأميركي في الخليج، بل عن حدود السيادة الممكنة في ظل هذا الوجود نفسه.
بل إن الحروب المتلاحقة في المنطقة توحي بأن الخليج لم يعد مجرد مساحة جغرافية لدول مستقلة، بل تحوّل تدريجيًا إلى مركز استراتيجي للوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، ما يعني أن أي مواجهة كبرى في المنطقة لن تمرّ إلا عبر أراضيه ومياهه وقواعده.
وهكذا يصبح التحدي الحقيقي أمام دول الخليج ليس فقط في إدارة تحالفاتها، بل في القدرة على منع هذه التحالفات من أن تتحول، في لحظة اشتعال إقليمي، إلى طريق يجرّها إلى حرب لم تخترها أصلًا.
في زمن الحروب الكبرى لا تبقى القواعد العسكرية مجرد منشآت دفاعية، بل تتحول إلى جزء من جغرافيا الحرب نفسها.

Average Rating