كتبت: بسملة علي
أكد خالد البلشي، نقيب الصحفيين، أن الصحافة مهنة تقوم على تحري الدقة والبحث عن الحقيقة والانحياز إلى الناس والدفاع عن حقوقهم، مشددًا على أن دورها لا يقتصر على نقل البيانات، بل يمتد إلى كشف مواطن الخلل ومحاسبة المسؤولين وتصحيح المعلومات، دون تهوين أو تهويل.
وقال البلشي، في رسالة وجهها إلى الصحفيين والصحفيات بعنوان «تعليق على ما حدث ويحدث.. لعل الذكرى تنفعنا»، إن الصحافة ليست آلة لنقل البيانات أو لسانًا يردد ما يقال، وإنما رسالة وضمير وصوت للمواطنين، مؤكدًا أن حماية المصلحة العامة تتطلب التزام كل مؤسسة بدورها، واحترام حدود اختصاصاتها، وضمان حق المجتمع في المعرفة والرقابة والنقد.
وأضاف أن التطورات التي تشهدها الساحة المهنية، وما يصاحبها من اتهامات متبادلة ونقاشات حول أدوار المؤسسات، تستدعي التمسك بالمبادئ المهنية والقانونية التي تحكم العمل الصحفي، مؤكدًا أن أي تجاوز للاختصاصات أو إخلال بمسؤوليات المؤسسات يضعف المنظومة بأكملها ويؤثر في حماية الحقوق والحريات.
البلشي: الحقيقة لا تختزل في رواية واحدة
وشدد نقيب الصحفيين على أن الحقيقة لا يمكن اختزالها في رواية واحدة، مهما كان مصدرها أو ما يمتلكه من سلطات وأدوات، وإنما تتطلب الاستماع إلى مختلف الأطراف وفحص الأدلة والتحقق من المعلومات.
وحذر من تبني رواية واحدة وتقديمها للجمهور باعتبارها الحقيقة الكاملة، لما يمثله ذلك من خطر على مصداقية الصحافة ومخالفة لقواعد المهنة.
ودعا الصحفيين إلى التريث قبل إصدار الأحكام، والتحقق من المعلومات وعدم الانسياق وراء الشائعات أو التسريبات، مؤكدًا أن الدقة ليست خيارًا يمكن التخلي عنه تحت ضغط الأحداث أو بدافع التعاطف، وإنما تمثل أساس العمل الصحفي وشرطًا للحفاظ على ثقة الجمهور.
«الاتهام ليس إدانة».. قرينة البراءة أساس التعامل مع المتهمين
وأكد البلشي أن قرينة البراءة يجب أن تظل قاعدة أساسية في التعامل مع جميع المتهمين، لا سيما الفئات الأكثر ضعفًا، مشددًا على أن الاتهام لا يعني الإدانة، وأن الفصل في المسؤولية الجنائية يظل من اختصاص القضاء وفقًا للأدلة والضمانات القانونية.
وأوضح أن البيانات الصادرة عن سلطات الضبط والتحقيق لا تمثل أحكامًا قضائية نهائية، وأن القضاء يفصل في القضايا بناءً على الأدلة التي تُعرض عليه، وليس استنادًا إلى ما تنشره البيانات أو تتناقله الألسنة.
وأشار إلى أن التعامل مع الاتهامات باعتبارها حقائق ثابتة قد يؤدي إلى إصدار أحكام إعلامية وشعبية مسبقة، بما يضر بحقوق الأفراد وصورتهم أمام المجتمع قبل انتهاء الإجراءات القانونية.
وأضاف أن ميثاق الشرف الصحفي يلزم الصحفيين بتجنب إشاعة الاتهامات التي لم تثبت صحتها، واحترام قرينة البراءة، والتحقق من المعلومات، وعدم نشر ما قد يؤثر في سير التحقيقات والمحاكمات.
وشدد على ضرورة التمييز بين ما يصدر عن سلطات الضبط والتحقيق من بيانات واتهامات، وما يصدر عن القضاء من أحكام، مؤكدًا أن الثقة في المؤسسات لا تعني التسليم بصحة كل ما يصدر عنها دون تحقق.
توزيع الأدوار بين المؤسسات ضرورة لحماية الحقوق
وفي حديثه عن مسؤوليات المؤسسات، أكد البلشي أن احترام سيادة القانون يقتضي التزام كل مؤسسة بحدود اختصاصها، دون أن تحل محل غيرها أو تتجاوز دورها.
وأوضح أن سلطات الضبط والتحقيق تتولى جمع الاستدلالات والتحقيق في البلاغات واتخاذ الإجراءات القانونية، بينما تختص المحاكم بالفصل في الاتهامات بعد محاكمة عادلة تتوافر فيها ضمانات الدفاع.
أما نقابة الصحفيين، فأشار إلى أن دورها يتمثل في الدفاع عن المهنة وحقوق ممارسيها، ومتابعة سلامة الإجراءات والتدخل عند وجود ما يستدعي حماية الحقوق والضمانات القانونية، مؤكدًا أنها ليست جهة تحقيق أو اتهام، وإنما مؤسسة نقابية معنية بحماية الصحفيين وحقهم في ممارسة عملهم.
وشدد على أن مسؤولية الصحفي تتمثل في البحث عن الحقيقة ونقلها بأمانة وموضوعية، والتحقق من المعلومات قبل نشرها، والالتزام بأخلاقيات المهنة وعدم الترويج للاتهامات دون دليل.
ضوابط التغطية الصحفية.. احترام الكرامة والتحقق من المعلومات
وأكد البلشي أن طريقة التعامل مع المتهمين تمثل اختبارًا لمدى الالتزام بالقواعد المهنية واحترام سيادة القانون، مشددًا على ضرورة تطبيق هذه القواعد في جميع القضايا، وليس فقط تلك التي تتعلق بالصحفيين.
وأوضح أن التغطية الصحفية يجب أن تراعي عددًا من الضوابط، أبرزها:
– عدم إدانة أي شخص مسبقًا، واحترام قرينة البراءة.
– التمييز بين الاتهام والإدانة، وعدم التعامل مع بيانات التحقيق باعتبارها أحكامًا نهائية.
– التحقق من المصادر والمعلومات قبل النشر، وعدم الانسياق وراء الشائعات والتسريبات.
– احترام كرامة المتهمين، وتجنب التشهير بهم أو تعريضهم للسخرية والتنمر.
– عدم نشر معلومات أو مواد قد تؤثر في سلامة التحقيقات والمحاكمات.
– مراعاة حق المتهم في الدفاع، وإتاحة الفرصة أمامه أو أمام محاميه لعرض وجهة نظره.
– عرض الآراء المختلفة والابتعاد عن الانحياز إلى طرف دون أدلة.
وشدد على أن الالتزام بهذه القواعد يمثل واجبًا مهنيًا وأخلاقيًا، ويسهم في حماية حقوق الأفراد والحفاظ على مصداقية المؤسسات الإعلامية.
التضامن المهني واجب.. دون التأثير في عمل القضاء
وفيما يتعلق بالتضامن بين الصحفيين، أكد البلشي أنه ليس تفضلًا أو مجاملة، وإنما واجب مهني وأخلاقي تفرضه طبيعة العمل الصحفي، مشيرًا إلى أن المساس بحرية صحفي قد يؤثر في حرية المهنة بأكملها.
وأوضح أن التضامن مع الزميل عند تعرضه لإجراءات تمس حريته أو كرامته لا يعني تبني الاتهامات الموجهة إليه أو إصدار حكم مسبق ببراءته، وإنما يعني المطالبة باحترام حقوقه القانونية، وضمان سلامة الإجراءات، وتوفير محاكمة عادلة.
وأضاف أن التضامن المهني يجب ألا يتحول إلى وسيلة للضغط على القضاء أو التأثير في سير العدالة، سواء لصالح المتهم أو ضده، وإنما ينبغي أن يظل في إطار الدفاع عن الحقوق والضمانات القانونية.
وأكد أن التضامن الحقيقي لا يقوم على المصالح الضيقة أو الانتماءات السياسية والفكرية، وإنما يستند إلى مبادئ تحمي الجميع، مشددًا على أنه لا يجوز المطالبة بحقوق الصحفيين ثم التغاضي عن انتهاك الحقوق ذاتها عندما يتعلق الأمر بمتهمين آخرين.
ودعا الصحفيين والمؤسسات الإعلامية إلى عدم الترويج للاتهامات قبل ثبوتها، واحترام سرية التحقيقات وكرامة المتهمين، والالتزام بقواعد التغطية المهنية دون ازدواجية في المعايير.
نقابة الصحفيين: الدفاع عن جميع الممارسين دون تمييز
وأكد البلشي أن نقابة الصحفيين ستواصل الدفاع عن جميع ممارسي المهنة، سواء كانوا مقيدين بجداولها أو غير مقيدين، مشددًا على أن حماية العمل الصحفي وحقوق ممارسيه لا ينبغي أن ترتبط بالانتماءات أو التوجهات أو المؤسسة التي يعملون بها.
وأوضح أن النقابة لا تتعامل مع الصحفيين على أساس مواقفهم أو انتماءاتهم، وإنما تنطلق من مسؤوليتها في حماية المهنة وحرية ممارستها، مؤكدًا استمرار جهودها للدفاع عن الحريات الصحفية وحقوق العاملين في المجال الصحفي.
وشدد على أن إجراءات التحقيق المؤقتة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتعطيل دور المؤسسة النقابية أو فرض الصمت عليها، كما لا يجوز تحميل أي طرف تبعات اتهامات لم تثبت بحكم قضائي.
ودعا البلشي الصحفيين إلى التضامن المهني في إطار القانون والدستور، والالتزام بميثاق الشرف الصحفي، وعدم الانجرار وراء حملات التشهير أو الإدانة المسبقة.
كما أكد استمرار النقابة في المطالبة باحترام سيادة القانون، وضمان سلامة الإجراءات، والتحقيق الجاد في البلاغات، واحترام الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية الصحافة والنشر، بما في ذلك الحظر الدستوري للحبس في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، وفقًا للضوابط الدستورية.
البلشي: الصحافة صوت للمجتمع وليست خصمًا له
وفي ختام رسالته، أكد نقيب الصحفيين أن الصحافة شريك أساسي في بناء وعي المجتمع وحماية حقه في الحصول على معلومات صحيحة، مشددًا على ضرورة وضوح أدوار المؤسسات، واحترام قرينة البراءة، والالتزام بأخلاقيات التعامل مع المتهمين، وترسيخ التضامن المهني باعتباره واجبًا لا منحة.
وأوضح أن الصحافة ليست خصمًا للمجتمع، بل تؤدي دورًا في تنبيهه إلى مواطن الخلل، وتسليط الضوء على المشكلات، والتحذير من أي مساس بالحقوق والحريات.
وأكد أن نقابة الصحفيين ستظل بيتًا للمهنة وأهلها، تدافع عن حق الصحفيين في ممارسة عملهم بحرية ومسؤولية في إطار القانون والدستور، وتعمل على حماية حقوقهم دون تمييز، مع التأكيد على مسؤولية الصحفي عما ينشره.
واختتم بالتشديد على أن المبادئ التي تحمي الصحفيين هي ذاتها التي تحمي المجتمع بأكمله، وأن حرية الصحافة واحترام استقلال المؤسسات والحقوق والحريات تمثل ركائز أساسية لتحقيق المصلحة العامة.
















Leave a Reply