إسماعيل حلمي وسماته الشعرية.. قراءة في ديوان “أعرج بين فريقين “
الشاعر محمد حشمت مصطفى يكتب : حياة الشاعر الراحل إسماعيل حلمي إسماعيل وسماته من شعره في ديوان ( أعرج بين فريقين )
خالص عزائنا لكل المحبين .آه وألف آه توجعا على من فارقنا ، فهو ليس ككل أحد عرفناه ، لقد هام بالنور فالتقفه طائر النار من بيننا واختطفه الموت انتقاء لا اعتباطا فهو كما قيل : نقاد الجواهر ، انطلق الغالي مع سارق النار سريعا ، وهو لا يلوي على شيء ، مفضلا ما بقي ، وما أتى على ما مضى وفات ، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، حملته وحده على مضض طاقاتٌ وطاقاتٌ، نفقدها نحن ، أما أولو النهى فلهم فيها علاماتٌ وآياتٌ ، شهدوها بحسهم وإلهامهم ، ووعتها أفئدتهم وألبابهم ، طوبى لكم يا أهل الكشف . أما هو فقد هام بها وحده تلك الأماني البيض التي تمثلت وعودا حقة في محكم التنزيل : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون . نحن أولياؤكم في الحيوة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون . نزلا من غفور رحيم . ) سورة فصلت آية 30 و 31 ورآها تركب براق الستر والعجز ، وسمعها تترنم بتلك الأنغام التي تركب الموج الهادر ، وتنساب من خلال النسيم المغادر، أدعيةً وابتهالاتٍ ومناجاةً واستغاثاتٍ ، فارتقى معها ، لا يحجبه ولا يثنيه صعب ، استلهمها مما وجده واستقر في ذهنه وقلبه مع الأيام ، ذلك الاتهام الفريد الذي عاش في داخله ، وسكن طيات نفسه ، من أنت ؟ ما شأنك ؟ مم خلقت ؟ هو وحده الذي ملك الإجابة ، وأعطاها حق الرحيل وحق الإنابة ، يقول بملء فيه :

( ها أنت وحدك الآن / تصعد بين الصلاة وبين الإقامة / فمن سيعيد القصائد فيك إلى المهد / مد يديك وسلم على العازفين / وقدم طقوس الإمامة . )
( سارق نارما ص 47 من سارق الدم والعسل ديوان مشترك مع أ رجب لقي ) .
هذه سمته ، وجدها فيه ، ولحظناها ، ووجدها في أمثلة دانت لقلبه ، وكحَّلت مآقيه : ( ذي حقيقة ما لم تقله بمجلس نفسك / خوف المروق إلى أول القصر وحدك ) ص 46 من الديوان السابق ذكره ؛ لذلك لم يخف ، ولم تختلف ، فلم يكن يثقل خطوه شيء ، ساقته في الطريق النجابة التي ملأت برديه ، وامتد بها ، لم يُعن بالحياة ، ولم يأبه بالمادة إلا بقدر ما يبلغ منها زاد المسافر ، ولم تغره الألقاب ولم يطغه المال ، ولم تستعبده كل المغريات في الحياة الدنيا التي فرشت طريقها للساعين ، ولم يحرم عطاءاتها ككثيرين ، لكنه اجتهد في طريق آخر، ليرضي نفسه فقط ، بما يبدعه ويشدو به من أغانٍ ، تنعش روحه ، وتشبع نهم الطفل الذي ربض بين أضلاعه ، يصور ذلك شَدْوُه في قصيدة إشراق ص 14 من ديوان أعرًجُ بين فريقين :
( أنا لا أقايض في هواك على دمي / أنت الدم المنساب ما بين العروق / كم مرة علَّمت نبضي أن يضخ / لغير سنبلتين في حقل / تغذى في هواك على الشروق / فيا عَسَلًا تمخَضَ لُؤلؤًا / بالعين ينسجه البريق/ كيف انتسبت تواصلا بالروح / يبدؤه الحريق . )

أجل . إنه نار الحب الإلهي الذي أضاء قلب رابعة والحلاج وابن الفارض وغيرهم ص 17 منه : ( أغيب بها ثلاث ليالِ / ولا يأتي ليأخذني / ويدركني بظل الوهم / طالب ساعة النجوى / أخي جبريل / ما يدريك أني الآن في الساحة / وأن الأمر فوق دمي / يمرُّ الصَّلبُ بالراحة / ومُرُّ الصَّلب بالراحة / فتصبح جثتي حلوى / أنا النشوان خارج خدمة الكهان . )
ذلكم إسماعيل المنفتح على كل الحياة ووجوهها المختلفة يكتنفه الغموض أحيانا ، كما قال في ديوانه على شرط المليحة ،فحياة الصالحين خفاء وعبادات الأولياء سرٌّ لا رياء فيها ، يقول ص 72 و 73 : ( أنا ليليُّ بالتّشديد / فليلى في تألقها / وليلى في تدفقها / وليلى في تأنقها / تداعب حزن أمواتي / تدغدغ حس أحيائي / وتدخل حضرة القرب / تفتح دفتر الحب / وتقرؤني / خرافيا / وتكتبني حداثيا / وتنشرني تراثيا / وتبدع نقش حنّائي / ومن ليلى بدأت الشعر) الأنا هناك ص 53 وهنا اعتزاز وفخر واعتداد بالذات وإثبات للحضور ، ففيها يشهد السالك ما غفل عنه غيره وما غُمَّ عمن عداه ، هو واحد في مجموع كامل اليقظة ، في رحاب المعبود المقصود صاحب المدد ، تلكم الحضرة مجمع الأحباب ، الذين يستحضرون هممهم ، ويستجمعون طاقاتهم لحالة الوصل لا الفصل ، هذا الدرويش الذي استقى ماء المحبة من بيئة صافية يحكمها التجرد ، ولثقته بنفسه أقبل بكله على خوض غمار البحر الذي اجتذبه منه توهجه وغموضه واتساعه وكرمه ، ومضى منفردا يناديه طيف أنيق ، ويتملكه لامع البريق ، لا يخاف المجهول ، واستحث السير وحده يملؤه الغرور .
والشعر ما أدراك ما الشعر حياته وصبوته وشباته التي تنقل لنا ما أحسَّهُ وجرَّبه ، وعاشه واستطابه أو عذبه ، لكم ذُقنا معه فيها من صبابات وعذابات ، فالشاعر والمعلم كلاهما صاحب دعوة ورسالة ، وقد نسبوا لبعض الشعراء مُلهِمين من الملائكة او الشياطين ، وحسب المدد يكون الوارد في هذا الصدد ، يقول ص 40 : ( الحزن كما الشعر / ينفتحان على العمر / ينفتلان غزلا نقضا / فرحا وشقاء / أرضا وسماء / ويزيلان قتامة هذا الكون ) والحزن قرين الإحساس بالاغتراب والوحشة لأن العالم الآن ازداد شراسة وظلما ، والقلوب قست ، والنفوس جفت ، والسآمة حلت بفقد عزيز أو ببين حبيب أو ضياع أمل كان الإنسان يختزنه ليوم صدام ، نحن في زمن هجرنا المحبة والسلامة والتراحم ، والوصل فينا سلام المراكبي وعزومته ، الغربة في الأوطان أصعب وأقسى من غربة النفي والطرد والإبعاد ، غربة القيم والمُثُل تجرُّ علينا النقم ، متى كنا خونة وسُرَّاقا وكذَّابين ، فكلنا وضيع مهين ، الاستخفاف بأهل الرأي والعلم ، وتقريب ذوي الفكر الضحل خليق بمن أزرى أن يُزرَى به ، ويُدسَّ أنفه في الطين ، عصرنا يعلو فيه صوت الإمّعات ويخفت فيه صوت الثقات ، يا للهلاك والويل الويل لأهل الرشا والمحسوبيات . ( يراجع بحث عن الغربة والاغتراب في الشعر العربي قديما وحديثا بقلم طاهر العتباني على شبكة الألوكة ) . يقول الشاعر في من الديوان ص 54 : ( محنتي حين يدخل حبُّكَ / رغمي لسِفر اغترابي / عندما يتجاوز نفسي أنين قديم / فتنشقُّ عنّي حرابي / وأقلق منكَ / وتقلق مما يخيّل لي / أنني ساعة اتمنّى / ولو كنت أملك / ردَّك داخل نفسي / فتضحي كما أرتجيك شبابي ) يا ليت وهل يعمر بيتا ليت . وبعدها بأسطر قليلة : ( فيا أيها العمر سر بي رويدا / واترك قليلا من الحظ كيما / أجدّد عند الحبيب / خطيوات ودي وعمر عذابي ) تُرى هل أحس شيئا ، هل بدت له من سُجُف الغيب النهاية ، أورثته الكمد والحسرة واليأس ؟ لا شك .

والحزن ينقلنا إلى الضعف ، والضعف ضيف وإن ألمّ فتلك سحابة صيف ، متى تنقشع ؟ …….. أنا أعرفه فمن يخبرني بضب أنا حرشته ، مهلا تلك خِلقتُنا وطبيعتنُا التي عليها جُبلنا نشأنا وسجيَّتُنا يقول تعالى : ( وخُلق الإنسان ضعيفا ) يقول ص 56 ( على ضعف ما أرتجيه / وكل شقائي / كفاني خصوصية الدهر / أنك لا زلت تعتنقين / طزاجة روحي / ونبل جروحي / وطهر بقائي ) الحزن والخوف والبخل والجبن أعراض قد تكتنف الحياة ، ونحن أغيار ، ودوام الحال من المحال ، فهل نستسلم ، ونلقي بالفوطة أو المنديل ؟ حاشا وكلا والبدر والنجوم والأهلة ،
لن يكون
كان إسماعيل ذلك الطفل البريء الذي يحن للكوخ والحقل واللمة والصحبة الطيبة في مناغاة الجدة بعد هدهدة الأم ، وهو ذلك المهر الجامح العالم الثقة الكبير الشامخ الأنف وكأنه المتنبي في زمانه الغابر يصدح بفنه ويملأ الدنيا صياحا وصداحا :
( الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم )
خلٍّنا من مقدمة البيت ولنستمسك بعجزه أو قوله أيضا :
ما مقـــــامي بأرض نخــــــــلة إلا كمقام المسيح بين اليهــود
ضاق صدري وطال في طلب الرزق قيامي وقلّ عنه قعودي
المرجع الشبكة العنكبوتية
وأقتبس من أبي العلاء المعري قوله :
( إني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل ) .

يحار المرء حين يريد أن يكتب عن شخصية هادرة ثائرة جامعة مانعة مؤثرة ومتأثرة لها وعليها ، محبوبة ومحبة بقدر عقلاني متوازن خالط الناس جميعا وعرفهم وعرفوه وشغلهم وشغلوه ، صاحبهم كبيرهم وصغيرهم ،غنيهم وفقيرهم ـ ذا جاههم ووضيعهم ،وعمل معهم وسعى لخدمتهم ، لم ينس الذين شاركوه شظف العيش الجيران ورفاق الدراسة وأبناء السبيل ، لم يكن الأستاذ إسماعيل إنسانا عاديا يعيش لنفسه ويهمه حاله بل عاش في الناس وللناس ، ولم يكن فردا هملا يشبه غيره حين نعدد الأوصاف ، لقد كان فذا عبقريا ، وكما قال العرب الأقحاح : وحيد نسجه ، لم يتكرر لا في الأدب ولا في التدريس ولا في القيادة ، حين خالط الجمع دانت له الريادة ، ولا في الإنسانيات والمجاملات ، أكان يتخلى عن دوره الموسوم بالهام ، ونحن نقدمه للمهام العظام فكان يتحملها على كتفيه بترحاب لا بعتاب ، فكم مرةٍ يتخلى عنه الرفاق ، فينهض للمكارم وحده قائلا : ( أنا لها أنا لها ) حديث الشفاعة في البخاري وغيره ، وكنا نغبطه لسبقه أبناء جيله وأترابه الذين كانوا يعاملونه كما عاملهم بكل محبة ، وتجلَّى تفانيه في خدمة أهله ومعارفه بسعي حثيث ، وأعطاهم جُلَّ وقته ، غير عابئ بما يجرّ ذلك عليه من أعباء وأوصاب قد لا تأتي إلا من الأحباب .
والخلاصة عن شهادة وتجربة دامت خمسة وأربعين عاما ، خبرته فيها منذ نعومة أظفاره ، رأيته يتقلب في الحياة صبيا فشابا فرجلا ، تلميذا فزميلا ، مريدا الخير يصطحبنا كل ليلة كما تعودنا يوم ( الإثنين ) ، ويعضدنا في استدامة الذكر والفكر ، واستلهام العطر من أسماء الله الحسنى وسورة الملك ، وقفو سير الصالحين من أشياخنا الدردير والصاوي ، وعبدربه والشيخ حشمت والجيلاني بتدارس علومهم وتراثهم والاستزادة من النفحات بالسلام والصلوات على النبي العدنان ، ويستنهض بجماع قواه ما استبطأ من عبدان ،كان نبوغه يشي بشيء كثير ، اهتمامه ودأبه وأدبه وحبه للتعلم ، لا يتكبر ، ولا يستحيي أن يسأل ليفهم ، أحب البحث والدرس ليسبر المجهول ، ويكتشف المأمول ، سبق سنه وشكله ، وتطلع لمعالي الأمور حين صحب الدكتور عليًّا البطل والدكتورعبدالحميد إبراهيم وارتاد ندوتيهما ، وأفاد من مخالطة الداخلي طه والخضري عبدالحميد وبهاء السيد وشاغب عتريسا وعلاء وبيوميًّا وأبا النجا وهانيًا والعمراني ومنير فوزي وعمر أبو رزق لكنها كانت ترسو على خير ،هؤلاء هم صفوته وقديما قالوا : ( إن الطيور على أشكالها تقع . ) ألم أقل لكم لقد كان مميزا لا يني ولا يكل ولا تثنيه الخطوب ، جُبل على الصراحة والقوة والإقدام والتسامح والمسالمة والإيثار ، كان يترك من حقه ويعفو ويصفح ، يرنو للعلا ولا ينظر تحت قدميه ، ولا يخاف في الله لومة لائم ، ولم يكن جبَّارا ولا خوَّارا ولم تلن له قناة ، حين كان يهادن فروح المسلم الحق تأسيا بسيدنا صلى الله عليه وسلم تغشاه مصداقا لقول الله : ( فاعف عنهم واصفح ) المائدة 13 ، وقوله : و( فاصبر صبرا جميلا ) المعارج 5 ، و : ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) آل عمران 159 وقوله : ( واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون . إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون . ) النحل 127 و 128 ، حتى بلغ الغاية ورست سفينة العمر على شاطئ النهاية ، و: ( لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) يونس 49 ، و : ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) النساء 78 ، و : ( كل نفس ذائقة الموت ) آل عمران 185 وهذا حق .
( صاحِ شمِّرولا تزل ذاكر الموت فنسيانه ضلال مبين )
شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك جزء أول .
آمنت بالله وبرسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى بلغ الغاية القدر المحتوم بحنكة واقتدار وبلغ الفلك المدار ، واستوت على الجودي سفينته ودارت الدائرة حول قطرها ، استأذنه ملك الموت ، وأعلمه بما سيكون ، وأشار له بما يفيد قربه بأمر ربه ، فرآه رأي العين ، وخاطبه بخطاب مبين ، وردد مرحبا أهلا باللقاء ( هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) يس 52 ، ليس نطقه بها صدفة ، إنما كان دأبه وعادته ، وورده وذكره كل صباح ، ولم يكن تعوذه من الفقر والجهل والمرض والجبن والبخل وقهر الرجال محالا بلا ترتيب ، فالصلاة على الحبيب وبها القلوب تطيب ،وقد تعوّذ سيّدنا ( صلى الله عليه وسلم ) من تسعين شيئا وأكثر ، وذكر الشاهد أن آخر كلامه كان أيضا ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) وفاضت روحه إلى بارئها ، واطمأنت في عليين ، رحمه الله رحمة واسعة ، اللهم أحسن لنا جميعا الخواتيم .

تالله . لقد أطلت عليكم وما بلغت بعد مرادي من استلهام درره حيث أردت أن يكون العنوان : ( إسماعيل حلمي .. حياته من شعره ) . تلكم كانت سمته وحياته ، فما ملامحها التي بدت في قصائده من ديوانه الأخير ( أعرج بين فريقين ) ؟ وأراني في عجالة أقبس لكم الآن ما عنَّ لي. أو كما قال في خاتمة الديوان : ( هذا الديوان مجموعة قصائد كتبتها مع ختام القرن العشرين ومفتتح القرن الحادي والعشرين ، عبرت فيها عني ، ودخلت فيها مسارب الحاضر المر والمستقبل الضباب، ، كانت كل قصيدة فيه حالة وجدانية وروحية ، إنسانية ووطنية ، تماهيت فيها معي بعجرفة الخائف ، وقوة الضعيف ، وضعف المؤمن فكانت كما ترون مزيج ( هكذا كُتبت ) من الشيطان والملك كانت أنا إسماعيل . )
يكفينا هذا الإقرار لو لم نقرأ قصائد الديوان دون تحصيل المتعة بالسباحة معه في رؤاه وأحلامه وأتراحه وأفراحه خلال عقدين تقريبا من الزمان وفي أوليته يفجؤنا بالقصيدة الصدمة ص 3 يقول : ( متى تبدئين السلام بعمري / وعمري حروب وهجر وغدر / وتنهمرين على رأس شعري ) إلى قوله : ( كأن الغريب مصاحبتي للفرح / وأني كما كنت دوما / صديق الحوار مع الهم والدم / والمصطلح )
هنا يبدو الواقع مؤلما وكئيبا ، تلك حالة لم يعشها الشاعر من قبل ، حتى في أحلك ظروف حياته حين كان وحيدا يجابه عوامل اليأس والبؤس والضغوط الثقال ، وهو لم يشب بعد عن الطوق حيث كان غِرًّا غير ذي خبرة ، واحدا على ندرة ، والسؤال بعد هذا العمر وقد تخطى عتبة الخمسين أو أوشك فقد جاوز الأربعين وهي سن العقل والرّويّة والصبر والجلد وقوة الاحتمال والسؤال الذي يطارده ، هل نسي إن هو نسي ، كيف صلب عوده ووقف على قدميه ، وأصبح الأستاذ البارع والعلم الذي لا يبارى وقد دانت له الأرض ، ووُفِّق لكثير مما كان يحلم به ؟ أو هو التنزيل : ( ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ) الروم 54 ؟ هذا سؤالي أنا ولكن بعده تتوالى الأسئلة : ص 3 من الديوان موضوع المناقشة والدراسة .
والغربة ماثلة في الديوان كملمح عام في أبناء جيله ومن سبقهم من المثقفين ، يقول في ص 3 :
( إلى كم حزين أمد جذوري ؟ / وكم نصل منذ البدايات ؟ / في مهر قلبي جرح ؟ / فانهار حلم وانداح قبر/ فمن أي باب …. / وأي تاريخ …./ فكيف …. / وهل …. ؟ لنهاية القصيدة . لم تشغله هنا الوظيفة ولا المنصب ولا الجاه وفلان ولا بياع الباذنجان ، همُّ إسماعيل يا إخوتي همٌّ كبير كقلبه الذي لم يحتمل ما نحن فيه .
( وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام ) وهو قول المتنبي .
ذلكم هو الهم القومي والإنساني المعيش ، شغلونا بالخبز واللحم والكهرباء والماء والطعمية والدشيش ، وهمه كان أمة : مصر والسودان ولبنان وفلسطين وسوريا وليبيا وبغداد مهد الرشيد ، وما يُجرى هنا وهناك من مهرجان القتل على جنبه كما يقولون ، والمباريات التي تفرز التعصب والتشرذم ، وإسرائيل تنتفض كالغول وتلتهم غزة بعد الضفة والساحل ولا ثم رادع ُ فالعالم اللا محايد كله معها ، والتيك توك على أشده والمبررون المهادنون لم يدركوا أننا في أفول وذهول ، اللهم ارحمنا . الموضوع أكبر منا ، يا للهول ! أوشكنا أن نتحقق من قول المعصوم :
( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، فقال قائل : أو من قلة نحن يومئذ ؟ قال : لا ولكنكم كثير كغثاء السيل ) عن ثوبان رواه أبوداود وهذا واقع من علامات الساعة ، ( الويل للعرب من شر قد اقترب ) حديث صحيح روته أم المؤمنين زينب بنت جحش .( ليس لها من دون الله كاشفة ) سورة النجم 58 . هل هناك ما هو أعظم وأجل من هذا ؟ الهم العام والسيل الطام لا يترك المرأة ولا الشيخ ولا الطفل ولا الغلام ، تدمير وتخريب وإهلاك وإفساد .
( لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ) الإسراء 4 ، الواقع اللغز والمخزي يأخذ من أعمارنا نحو المشيب يقول الشاعر في أول صوت ص 29 : ( يا كل ذاكرتي وخاطرتي / وترجمة الفواصل / يا ضيعة الشكوى / وبعثرة الرؤى / في وجه لعثمة المناضل / عنوان عينيك العذاب الصعب / تفصيل سردك قصة التغريب في وطن المثال / ولا تمثُّل ) . إذا تاهت رؤاه ، وقصرت خطاه ، وارتدّ إلى نحره نداه ، أين الزعيم ؟ وأين المقاوم ؟ أين المناضل ؟ أين أين قتلوا وخدعوا وأخرجوا من قريتهم لأنهم أناس يتطهرون . هل تعني بذلك عبدالناصر وأبا ياسر والمفدى والملهم ملك الملوك ؟ ( ويك عنتر ) ! لعنترة من شعره . كلنا صار المملوك ، فهل يتوقف النضال ، وقد أحكمت من حولنا الفخاخ وصُوِّبت النبال ؟ هل ستخفت الأصوات والحناجر التي صارت أسلحة بدلا من والمقاليع والحجارة ؟ لم يعد لأحدنا فرس ولا لأمة ولا درع الحديد ، كالنار تطلبنا المجازر والعديد . إذا ماذا نحتاج ؟
يقول ص 30 : ( نحتاج للعينين / فالأقوال أكبر من لغات الأرض / أعمق من خيال الشعر / في أدنى احتمال أو تحايل ) إلى قوله : ( هنا على هذا الصليب / دماء مفتتح الكلام / لقلب مجنون به وهم مقاتل ) يعني رجالا أشدا لهم بصر بالأمور ، يستلهمون التاريخ الناصع لأمتنا ، وسجل التضحيات به وفيرة ، ومضغ القيم النبيلة والمثل العليا كالحرية والمساواة والبذل والإيثار لا الشعارات الزائفة والضجيج المصطنع ، وإذاعة أحمد سعيد ونحن على مشارف تل أبيب بيب بيب ، أنا لا اعرض بأحد ولكن وقع سهام التنمر والخبص والوقيعة والدس ، ومؤامراتنا منا علينا ولولا هواننا ما قتل منا واحد فرد . الحاضر جد مُرٌّ ، والمستقبل أدهى وأمرُّ ، ما المخرج يا قوم ؟ إعلاء جانب الروح فبه تضمد الجروح ، يقول ص 15 في قصيدة إشراق ونلمح فيه الجاذبية الصوفية : ( فدعي حياتك ترتمي / في ساحة السكر الضبابي العميق / ما بين برزخ روحك الوثاب / في عصر الكروم / لرب جسمك / وبين سدرة منتهى الأحلام / في وادي العقيق / إنا نخطط مفردات الروح بالترياق / وإن سمم فينا هالة العز / فأوقعنا على ثغر المضيق / يا لسعة الأفعى بغار الروح / مجد أنت / لن ينساه / صديق السمو المستفيق / هل هي لحظة لفناء ذاتك / أم تحقيق روحك / حين تترك شهوة التحليق . ) الروح والسكر والمستفيق وصراط قبلها وغار وفناء دليل على ربط التصوف بالإسلام ، واستلهامه حالات الزهد عند الصحابة والتابعين ، ومن لف لفهم كالإمام علي والحسن البصري وعمار وسلمان وأبي ذر وابن المبارك و القاضي عياض .
( أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) يوسف 108 ، تواصل وانسجام يأخذه كابر عن كابر ، كلهم من رسول الله ملتمس . ما لك والصوفية ؟ وهل نشر التوحيد في أفريقيا وآسيا والأمريكيين غير التجار ممن كان لهم حظ وباع ، ولم تكن بنفوسهم أوجاع فهل يرتدع المرجفون والمغرضون والمتعصبون وينتكسون عن اتهاماتهم للمسلمين ؟ وعلى عكس ذلك النحو نجد من تسببوا في الهجمات الشرسة على أمتنا لتمزيقها منذ قرون . يقول ص 15 أيضا : ( أصلي لأجل الجياع / وعندي جياع / يمرون في الرأس دون انقطاع / لم يشربوا شهد هذي البلاد / فلا صوت رفعت أثر فيهم / ولم يغمسوا خبزهم نقشبندي / ولم يقرءوا للجبرتي / ولم يرفعوا للبوصيري قناع ) فالإسلام دين وسطي ، يخاطب العقل ، والتفكير فريضة فيه ، والمسالمة ديدنه ، والرحمة عنوانه ، والعزة فيه بالله ، لا بنفط وسولار ولا بريال ودرهم ودولار ، الفطرة الحقة هي الطهارة من الأدناس والأوزار . والحقيقة أن إسماعيل حلمي ملك بطيبته ولين جانبه وخفضه للجناح وطلبه التوفيق من الكريم الفتاح ، ( وما أبرئ نفسي ) يوسف 53 ، فاللوم عليها ولها وبها . ( سددوا ةقاربوا وأبشروا ، فإنه لن يُدخل الجنةَ أحدا عملُه ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) . صحيح البخاري ورواه مسلم عن عائشة أم المؤمنين .
مشهد التجلي في ص 17 وما بعدها في القصيدة الأم أو بيت القصيد يقول ( أخي جبريل / ما يدريك أني الآن في الساحة / وأن الأمر فوق يدي …../ أنا النشوان… / أنا المشروح بالإحسان …./ أنا المشترك اللفظي / بين السِّفر والسَّفَر / وبين الحِجر والحَجَر / وبين تحرر الكفار / وبين تحجر الفِكرَ / بين المنّ كيف ؟ ومن ؟ / عند المن …. / أنا الإنسان ) . هنا تحس الأنا تأتلق أعوذ بالله من قولة انا ، ماذا ؟ الكلام هنا على الإنسان والملك ، فمن حشر إبليس ؟ إلا وكان ثالثهما ، ذلك عن خلوة الرجل بالمرأة . الأنا تعريف وتوضيح وكشف اللبس وإزالة الإبهام والبعد عن التلبيس ، حين أسألك من انت ؟ إما أن تقول أنا محمد أو محمود أو تقول محمد محمود والحذف لا ينفي المعلوم وهو جائز لغة مع أنه أبلغ لكن الذكر أحيانا يكون أوقع ، ففي التنزيل :
( قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ) طه 18 . ذلك إطناب محبب يستزيد فيه سيدنا مسى من الإيناس بالله ، والملك معروف بنقائه ونورانيته وطاعته ورحمته ، وهو المستقيم شيء ،أما الإنسان الذي خلق من طين وماء وفيه نار وهواء ، أو ما يسميه الروحانيون والفلاسفة بالطبائع الأربع ، لذا فهو متقلب أحيانا هنا وطورا هناك ومعظم نكبات الأرض من جناياته وفساده ، وهو شيء آخر ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) البقرة 30 ، وهل خلا من هذا التصنيف أحد ؟ رحماك ياااااا رب . طبعا للنقاء أهله وللصفاء ذووه ، فالأنبياء والأولياء والصحابة والتابعون بإحسان إلا من سبق عليه القول ، فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) هود 43 ، والبشرى مستمرة لأهل الله ، ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) يونس 26 فلا غبار عليهم ومنهم حافظ القرآن الأستاذ إسماعيل نسأل الله لنا وله ولهم النجاة ، ورفع الدرجات .
ويتكئ سيدي إسماعيل كثيرا على التراث والتاريخ في مواضع كثر ص 3 و 4 : ( وقومي رجال لتاريخ / حزن / من قفا نبك / حتى كوابيس نومي / … صوتي عديد / والمواويل آخر فهمي / ….. حياتي فقاقيع قهر / …..ومن بكاء الديار / إلى وصف ناقة / ومد العمامة فخر ….تمر المواجيد فينا / ولا ثَمّ عُمر . عدنان ربيعة بني النضر أيام هاشم والموصلي والرشيد.
وفي ص 45 لا أنت العبسي / ولا كنت أبا زيد / يكسوك الخوف هموما تلبسك الرغبة كل جهامة / ….بين الوجه الباسم كمدا / والقلب المملوء قتامة ) شجن وتوق إلى الحزن فمن لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم ، ومن لم يهتم بصقل لسانه ولغته أخطأه جنانه ، وعبر بما لا يعلم او يفهم ، وعيي ، تعثر وتلعثم ، والشاعر ضليع في هذا الباب ،ملك ناصيته فأفاض وترجم ، وحديثه الشيق طالما أخذ بالألباب ، وُفّق فيه ، وأُجرت مساعيه ، فهو رب البيان يكفي ذا الإيجاز ، فباعه طويل وحبله لا ينقطع ومتين ، والكلام فيه يطول شرحه ، ويحتاج بحثا مستقلا .
والحياة عنده فلسفة ، والفلسفة تشوُّف ، وبصيرة ، وحذق ومهارة ، وحدس ، وذوق خاصة الإشراقية الروحية على نهج الغزالي والسهروردي وذي النون، والحكمة ضالة المؤمن وها هو يطل علينا بوجه الفيلسوف الحكيم ص 48 و 49 قصيدة جلال الدين الرومي وسؤال الوصل ( في راحة الحضن / أو واحة الأسئلة / كنت مررت نحوك / كل تفاصيل صوتي / كل شكوكي / ونقطة ضوء دمي الفاصلة / شرحت حواري مع القبلة الفاتنة / والرغبة المقبلة إلى قوله : وجد بالقريض / عليا / على من متى ؟ / إلى كم سنبقى ؟ / سنحيا / سؤال الوجود إلى اللحد / مذ فرحة القابلة ) سؤال الوجود فعلا أنا أفكر إذا أنا موجود .
وبعد أن تجرد للبحث أحب الحياة يقول ص 60 : ( وينساب ورد فقير يتمتم / يا روح يا عشق الله الله الله / وآه تربت كتفي / في ثورة اليتم والريق يبتل / في طل وصل قديم / تخلل عبر الزمان وتاه / أحبك رغم وجودي ورغم فنائك / رغم نشازي ورغم غنائك / رغم ظلامي وسبق ضيائك / شبقا ومعنى وهمسا وآه / أحبك والروح تسبح عندك / تأخذ راحتها في يديك ) ولنا هنا وقفة فالحياة امرأة محبوبة والمحبوبة رغم الشوق للشقة القديمة التي شهدت مغامرات الهوى الأول بمعادلها الموضوعي ص 66 يقول : ( تطل كل لحظة من ثنايا الذاكرة / شقتنا القديمة / تشطب من روحي تغضنا / ومن همتي يأسا / وبعض مفردات اللغة العقيمة / تعيدك طفلة / تعيدني الطموح / ترد للشمس ابتكارها الشروق / وللجوع انتظاره الجريء / وللجمال حضرة البكارة اللئيمة ) والخطوة قبل الأخيرة ص 84 يقول : ( من يا ترى أعطى القصيدة لونها الوردي ؟ / ريحها العطري / بهرجة البناء / هي لوّنت للمبتدا ألوانه الحبلى / بآيات التموسق والغناء /هي من تفتش في شراييني / بحدتها / ورقتها / فأمعن في الوضوح / وفي الجروح وفي الخفاء / من يا سناء ؟ / سواك أبعد شهقة الذكرى إلى حيث / انطلاقات البقاء / … من قال إنك للسنا / وعلى جبين الشعر / علمت الغموض لأغلب الأشياء / سأقول كلك مفرداتي المرتجاة / وأقول إنك قد غزلت خيوط هذا الوهم من ترتيب ذاتك / وقضمت تفاح التواصل باعتلالٍ في الكتابة من دواتك / وقمت بالتفسير والتأويل / من أعدى عداتك / وتركت لي هما يجابهني ويأخذني / إلى مليون سطر للوراء / فالشعر أنت / والسطر مثل السعد ناء / آه سناء ) سامحك الله وأعان أم محمد الطيبة ، لمن تركتها ؟ محال أن يكون غير الله ، إذا لا يضيُّعها ومريم .
والمحطة الأخيرة في مشهد الوداع ص 77: (كان نورك موردا للشعر يقول نذرت لطلتك حين تطل / الحياة / والحب واللغة القاسية / تماهيت والفن عندي / فأنت الزمان الذي سيجيء / وعمري القصير الذي لم أعشه ) إلى أن يقول ص 78 : ( وقل إن أول زاد شهي / وأول طيف بهي / لكن آخر عشق سيدخل قلبك / غرغرة بختام عصي / وأنت تودع رحلتك الفانية ) لنا الله يا فتًى قل مثله .
وختاما لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله . أعظم الله أجرنا وأجركم .
* شيخ شعراء المنيا

اللهم ارحمه واغفر له واجعل قبره روضة من رياض الجنة كان علما لا يشق له غبار وموهبة لن تتكرر مضى مع طائر النار يحدوه أمله في التغلب على الصعاب وكسر حدة المادة واستلهام الوعد الحق بلقاء من مضوا باذلين عمرهم وحياتهم لمحتمعهم وناسهم ووطنهم كي يبدو أجمل