مملكة الحواديت.. صراع الخير والشر في تشكيل بصري أخّاذ
بقلم : د. ندى طارق
أبدع المخرج إيهاب ناصر في صياغة رؤية إخراجية تستند إلى مزج الحكاية الشعبية بالخيال المسرحي المعاصر، مع وعي عميق بخصوصية جمهور الطفل واحتياجاته التلقّية على المستويين السمعي والبصري.
تبدأ المسرحية بشخصية شهرزاد، الحكاءة الخالدة، التي تبوح للجمهور بأن مملكتها تدور حول صراعٍ أبديّ بين الخير والشر، حيث يتجسّد الشر في «الجوكر» بينما تحمل «بقبوظة» شعلة الخير، ساعيةً لإنقاذ أبطال الحكايات.
ومع تمهيدٍ مسرحي مؤثّر لطفلٍ نحيلٍ يشعر بالعزلة، تشرع الحكايات الثلاث (سندريلا، سنووايت، ياسمين وعلاء الدين) في التتابع؛ لكن أهم ما يميّز العرض هو التواصل المباشر بين الممثلين والأطفال. فقد تحوّل المسرح إلى ساحة حوار، يطرح البطل سؤالًا: «اللي يكذّب يروح فين؟» فيصرخ الجمهور الصغير في انسجام: «النار!»؛ وهكذا تُزرَع القيم الأخلاقية في وعي الطفل بسلاسةٍ ومتعة.
وعلي مستوي التشكيل البصري
صممت إيمان الشيخ مصممة الملابس شهرزاد بزيّ فاخر وتاجٍ براق، مع مكياج فخم مريح للعين. أما بطاطا فظهر بالأصفر المزدان بالأخضر، مانحًا إحساسًا بالطاقة والدعم، وهو ما انسجم مع دوره كشخصية مُسانِدة. والجوكر تزيّن بالأحمر القوي، مع تفاصيل مكياج بسيطة لكنها توحي بالغموض والخوف الخفيف، ما جعله مقنعًا دون أن يرعب. والشخصية الرئيسية بقبوظة ارتدت فستانًا باروكيًا أصفر، واستطاعت الفنانة مها أحمد تجسيد الشخصية بمهارة وبهجة، وقدّمت حركات واستعراضات نالت تفاعل الصغار. حتى حين تنكّرت في هيئة جعفر، حرصت على الحفاظ على روح “بقبوظة” الطفولية، وأضافت لمسات كوميدية مثل الشنب والكرش المستعار، ما زاد من تفاعل الأطفال معها وهم يرددون كلماتها.
جاءت مصممة الديكور هبة عبد الحميد في عرض “مملكة الحواديت” لافتة من حيث البنية البصرية والرمزية، إذ اختار المخرج ومصمم الديكور الاعتماد على بساطة مدروسة في العناصر مع ديناميكية في التبديل والتحريك، بما يتماشى مع التتابع السردي السريع للحكايات الثلاث التي يتضمّنها العرض، ويُسهم في الحفاظ على توازن إيقاعي بصري مناسب لقدرة الطفل على التلقّي والمتابعة ، وأبرز ما يميز الديكور هو التحول السلس بين المشاهد دون كسر للإيهام المسرحي، حيث صُممت الوحدات بحيث تحمل معاني دلالية في ذاتها وتُسهم في بناء الصورة المسرحية دون إثقال بصري.
على سبيل المثال، نجد أن مشهد المملكة تم تقديمه بموتيفات نباتية بسيطة، لكنها مشغولة بألوان دافئة ومضيئة تتدرج ما بين الأخضر الذهبي والأحمر القاني، ما منح الفضاء طابعًا أسطوريًا حالمًا ينسجم مع مناخ الحكايات والقصّ. وُضع كرسي العرش في منتصف المسرح، بلونٍ ذهبي فخم، محاطًا بدرجات من الأحمر الملكي، ما أضفى على المشهد حضورًا سلطويًا يُناسب فكرة “المملكة” كموقع رمزي للصراع بين الخير والشر. ويُلاحظ أن الكرسي لم يكن مجرد عنصر ديكوري بل حمل رمزية للمركزية السلطوية والموقف الأخلاقي، حيث مثّل موقع اتخاذ القرار ومصدر التحوّل في الحكاية، لا سيّما مع شخصية شهرزاد التي تنطلق منها الرواية وتعود إليها.
أما المساحات الخالية حول عناصر الديكور، فقد وُظّفت بذكاء لتتيح حرية الحركة للممثلين ولتُعطي إيحاءً باتساع عالم الحكايات، مما ساهم في تعزيز الإيهام بوجود ممالك مختلفة داخل نفس الفضاء المسرحي. وباستخدام الإضاءة المتغيرة، تم تحويل هذه المساحة نفسها لتتناسب مع قصص سندريلا وسنووايت وياسمين دون الحاجة إلى تغييرات ضخمة في البناء. وهنا يظهر دور التشكيل البصري كعنصر أساسي في بناء المعنى، إذ عملت الألوان، والكتل، والفراغات، والحركة على تكوين لوحة مسرحية نابضة، استطاعت أن تحافظ على انتباه الطفل وتدخله في أجواء الحكاية دون انقطاع.
قدّم عرض مملكة الحواديت تجربة متكاملة على مستوى السرد، التمثيل، التشكيل البصري، والمخاطبة المباشرة للأطفال. نجح المخرج إيهاب ناصر في صياغة عملٍ مسرحي يوازن بين الإبهار الفني والبساطة المناسبة لعالم الطفل، ليؤكد أن المسرح ليس مجرد ترفيه، بل أداة تربوية وجمالية تغرس القيم وتفتح خيال الصغار على عالم من الدهشة والجمال.

Average Rating