مصر تعزف مجدها .. ولكن أين كانت روح الموسيقى؟

Read Time:2 Minute, 57 Second

بقلم : د. محمد جمال الدين 

تشرفت مصر أم الدنيا ومهد الحضارة الإنسانية، في أمسية فريدة من نوعها، بأن تفتح للعالم أبواب أحد أعظم مشاريعها الثقافية في القرن الحادي والعشرين، إلا وهو المتحف المصري الكبير، والذي طال انتظاره لأكثر من عشرين عامًا، وللحقيقة كان الافتتاح حدثًا يليق باسم مصر وتاريخها، في مشهد بصري مذهل، وتنظيم رفيع المستوى، ورسائل حضارية وإنسانية أبهرت المتابعين في الداخل والخارج.

غير أن سؤالًا مهمًا يفرض نفسه أريد أن أطرحه من وجهه نظري الشخصية، وهو هل كانت روح موسيقي الإحتفال على مستوى هذا الحدث التاريخي؟، وللأمانة العلمية فمن حيث الشكل، جاءت الموسيقى المصاحبة للحفل ضخمة في التكوين الأوركسترالي، مترفة في المؤثرات، تجمع بين الكلاسيكية الغربية وبعض اللمسات الشرقية الخفيفة، وبمشاركة عدد من العازفين المصريين والدوليين، في محاولة واضحة لخلق عمل عالمي الهوية بملامح مصرية.

لكن من حيث الجوهر، غابت الروح المصرية العميقة التي تُلامس وجدان المستمع وتستدعي ذاكرة التاريخ، فقد بدت الموسيقى رغم فخامتها محسوبة بدقة هندسية أكثر من كونها مُفعمة بالعاطفة والنبض الإنساني، وكأنها وُلدت في قاعة بروفات أوروبية بسلالم موسيقية غربية لا على ضفاف النيل.

لقد كانت أتوقع من موسيقى افتتاح المتحف المصري الكبير أن تكون أكثر من مجرد خلفية صوتية لمشاهد الضوء والرموز، أن تكون خطابًا فنيًا موازياً للعرض البصري، يترجم عظمة التاريخ المصري إلى نغمة خالدة تتردد في القلب قبل الأذن، ولدينا الكثيرون من الرموز من المؤلفين الموسيقيين ذو الباع الطويل في ذلك، بل وقد أثبتوا جدارتهم بذلك في أكثر من محفل قبل ذلك، وجميعهم قادرون على تحويل أي حدث أي وجدان جمعي، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الموسيقار عمر خيرت، وهو موسيقي يعرف كيف يكتب لمصر، فهو يملك القدرة على المزج بين النغمة المصرية الأصيلة والبنية الأوركسترالية الهيبة، دون أن يفقد الحس الشعبي الدافئ، كما أن موسيقاه تخلق دائمًا لحظة انفعال صادق يتجاوز الصناعة، وهناك الموسيقار أحمد الصعيدي، وهو مؤلف وموزع عالمي بتجربة تمتد بين الشرق والغرب، قادر على صياغة عمل أوركسترالي عالمي الروح مصري الملمح، يجمع الرقي بالتعبير، ولا يمكن أن ننسى الموسيقار نادر عباسي، بما له من خبرة في قيادة الأوركسترا في احتفالات الدولة الكبرى، (مثل موكب المومياوات الملكية)، وهو موسيقى يعرف كيف ينسج الحاضر من خيوط التاريخ، ويجعل الآلة الموسيقية تنطق بلسان الفراعنة وروح المصري المعاصر معًا.

وأنا أعتقد لو كان أحد هؤلاء قد تولى مهمة صياغة موسيقى الافتتاح، لربما سمعنا مقطوعة تتجاوز الإبهار إلى الخلود، موسيقى تحفظها الذاكرة كما نحفظ نغمة المومياوات الملكية، أو العرافة والعشق والضوء لعمر خيرت، موسيقى تمزج بين التكوين العلمي والبصمة الوجدانية التي تليق بمصر.

لا شك أن الطموح في جعل الحفل عالميًا أمر محمود، لكن العالمية لا تعني أبدًا فقدان الذات، فالموسيقى المصرية تمتلك من المقامات والإيقاعات والرموز الموروثة، ما يجعلها قادرة على أن تكون عالمية دون أن تتنازل عن روحها، وهنا كان يكمن التحدي الذي يواجه أي مؤلف موسيقى، وهو أن نُقدم للعالم مصر كما هي، لا مصر كما يراها يحب أن يراها الغرب، ذلك هو الفارق الدقيق بين العزف باسم الوطن والعزف أمام العالم، بين موسيقى تُحاكي الآخر وموسيقى تُجسد الذات.

ورغم ذلك يبقى افتتاح المتحف المصري الكبير حدثًا عظيمًا بكل المقاييس، يسجل صفحة مضيئة في تاريخ الثقافة المصرية والعالمية، لكن في قلب هذه العظمة، كان يمكن للموسيقى أن تكون أكثر صدقًا، وأكثر عمقًا، وأكثر مصرية، فمصر تمتلك ولا تزال من الموسيقيين والملحنين ما يكفي لتخليد مثل هذه اللحظات في ذاكرة الشعوب، لا في تسجيلات البث المباشر فقط، فالموسيقى في هذا المناسبات تتجاوز وظيفتها كونها مجرد صوت يواكب العرض، بل هي صوت مصر وهي تُعرف نفسها للعالم، وربما كانت الرسالة الأجمل التي يجب أن تصل، أن مصر لا تحتاج أن تقلد أحدًا لتبهر العالم، فصوتها وحده يكفي.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *