هل كانت مصر فرعونية؟!
مصر لم تكن أبدًا «فرعونية». فرعون لم يكن أبدًا لقبًا لأي ملك من ملوكها؛ بل كان اسمًا — وليس لقبًا — لملك من الهكسوس الذين حكموا الجزء الشمالي الشرقي من بلاد وادي النيل المسماة «كِمت»، وهو الملك الهكسوسي الذي عاصر النبي موسى عليه السلام، وجرت في عهده وقائع خروج بني إسرائيل من مصر كما نعرفها.
بعدها أطلق المؤرخون اليهود لقب «فرعون» على كل حكام مصر، فالتصق بهم ــ لدى بعض الروايات ــ وصف الكفر والكِبْر والتجبر والظلم والطغيان. وحتى اليوم يقترن اسم/لقب «فرعون» بالطغيان والتكبّر والتجبر، وليس بالقوة أو العظمة كما يتوهَّم البعض.
المثل العامّي يقول: «يا فرعون، إيه اللي فرعنك؟ ما لقيتش حد يردني أو يلمني» — كناية عن الشخص الظالم المتغطرس المتجبّر عندما يُسأل عن سبب ظلمه وجبروته.
أتعجب جدًا ممن يصفون مصر بأنها «فرعونية»، أو يتفاخرون بكونهم فراعنة، ومن يطلقون وصف «الفراعنة» مثلاً على المنتخب القومي لكرة القدم، مع أن فرعون كان حاكمًا ظالمًا كافرًا متكبّرًا متعجرفًا، بل ادعى أنه إله قومه الأوحد: «وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي» (القصص: 38).
على فكرة، يظنّ بعض الناس أن المصريين القدماء كانوا «موحِّدين» — أي يؤمنون بإله واحد فقط — وهذا غير صحيح. مصر لم تؤمن بالتوحيد كمذهب سائد؛ فأساس الديانة المصرية القديمة كان ما يُسمى — كما ذكرت — «التاسوع المقدّس» أو «التاسوع العظيم»، وهم التسعة آلهة الكبار الذين كان المصريون يؤمنون بهم، إلى جانب آلهة فرعية وصغيرة أخرى.
كان لدى المصريين القدماء آلهة لكلِّ الظواهر الطبيعية تقريبًا: إله الحياة، إله الموت، إله الشمس، إله القمر، إله التحنيط، إلهة الخصوبة، وغير ذلك. كما كان المصريون أحيانًا يعبدون ملوكهم بوصفهم آلهة أو أنصاف آلهة.
ظهر التوحيد في مصر في فترات قصيرة ومحدودة؛ مثلاً عند ظهور النبي إدريس (أخنوخ في التوراة) — الذي يُقال إنه كان مصريًّا أو دخل مصر في فترة من الفترات — لكن هذا ليس عليه دليل تاريخيّ أو ديني قاطع. كذلك، ذُكر أن النبي إبراهيم عليه السلام زار مصر فقط، ولم يعش فيها؛ وهذا لم يثبت تاريخيًّا أو دينيًّا قاطعًا كذلك. الأنبياء يوسف وموسى وهارون عليهم السلام كانت دعوتهم موجهة لبني إسرائيل الذين عاشوا في كنف الهكسوس المحتلين، ولم تكن دعوتهم موجهة لعامة المصريين بالضرورة.
ظهر التوحيد أيضًا مع حكم أمنحتب الرابع (إخناتون) الذي دعا لعبادة إلهٍ واحدٍ أسماه «آتون»، واتخذ الشمس تجسيدًا له. لكن هذا التيار لم يدم طويلاً وانتهى مع اختفاء إخناتون أو موته أو الانقلاب عليه.
بقلم/ د. هاني سليمان

Average Rating