العفو عن العقوبة في مصر : من التنظيم التشريعي الى التنظيم الدستوري (٢)
أسامة شمس الدين
مع تطور الدولة الدستورية الحديثة، لم يعد مقبولًا أن يظل حق العفو عن العقوبة سلطة يمنحها التشريع العادى. ومن هنا جاء دستور 1923 ليؤسس أول تنظيم دستوري مقيَّد لهذا الحق، فارضًا تمييزًا جوهريًا بين العفو عن العقوبة والعفو الشامل، في إطار تكريس مبدأ الفصل بين السلطات وحماية سيادة القانون.
دستور 1923 وإعادة توزيع الاختصاص
فرّق دستور 1923 في مادته (43) بين العفو عن العقوبة والعفو الشامل، فجعل الأول من اختصاص السلطة التنفيذية، بينما قصر الثاني على السلطة التشريعية. ويمثل هذا النص تحولًا جوهريًا من التنظيم التنفيذي الخالص إلى التنظيم الدستوري المقيد، بما يحد من إطلاق سلطة العفو.
قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937
جاء القانون رقم (58) لسنة 1937، عقب معاهدة مونترو وإلغاء الامتيازات الأجنبية، ليعيد صياغة نصوص العفو بما يتفق مع دستور 1923. فنصت المادة (74) على أن العفو عن العقوبة لا يمس العقوبات التبعية أو الآثار الجنائية الأخرى، إلا إذا نص قرار العفو على خلاف ذلك.
وأكدت المادة (75) ذات القيد، خاصة في الجرائم الخطيرة، بينما نصت المادة (76) على أن العفو الشامل وحده هو الذي يمنع السير في الدعوى أو يمحو حكم الإدانة، دون المساس بحقوق الغير إلا بنص خاص.
التمييز الجوهري بين العفو عن العقوبة والعفو الشامل
يتضح من هذا التنظيم أن العفو عن العقوبة لا يُعد محوًا للحكم الجنائي، وإنما إجراء استثنائي يقتصر أثره على العقوبة الأصلية، بينما يظل الحكم وآثاره قائمة. أما العفو الشامل، فيرتب أثرًا قانونيًا شاملًا يمس الدعوى والحكم معًا، وهو ما يبرر قصره على السلطة التشريعية.
يكشف المسار الدستوري والتشريعي لحق العفو في مصر عن تطور متدرج، انتقل فيه هذا الحق من اختصاص تنفيذي مطلق إلى صلاحية دستورية مقيدة. وقد حافظ المشرّع على الطبيعة الاستثنائية للعفو، فميّز بوضوح بين نوعيه، تحقيقًا للتوازن بين مقتضيات السيادة وضمانات سيادة القانون، وبما يضمن ألا يتحول العفو إلى أداة تمس استقلال القضاء أو العدالة الجنائية.

Average Rating