مصر ولومومبا وهذا المشجع العظيم!!١
خالد علي يكتب:*
منذ قرأت عن باتريس لومومبا وعمليه اغتياله، ونضال شعب الكونغو الديمقراطية، والدور الذى لعبته مصر فى تلك الأحداث، كنت أتمنى صناعة فيلم مصرى يجسد ويوثق نضال الكونغو الديمقراطية، ودور الكتيبة المصرية هناك، والعملية التى قامت بها مصر لتهريب أبناء لومومبا إلى مصر، ورعايتهم حتى تخرجوا من الجامعة المصرية، ولكننى أحبطت من هذا الحلم، وبدى لى أن صناع السينما فى مصر عاجزين عن توثيق تاريخنا المجيد فى افريقيا رغم احتياجنا لهذا التوثيق الأمس واليوم وغداً، وزاد من إحباطي أنى شاهدت فيلم مبهر عن الكتيبة الايرلندية حصار جادوتفيل (The Siege of Jadotville) عن قصة حقيقية لجنود أيرلنديين في الكونغو الديمقراطية يحاصرون من قبل قوات معادية أثناء مهمة للأمم المتحدة، الفيلم متوفر على نتفليكس، جاء الإحباط لأن فيلم الكتيبة الإيرلندية يوثق دفاعها عن نفسها بشكل مبهر، والكتيبة المصرية كانت قصتها لا تقل إبهارا وجسارة.
ومع انطلاق بطولة أمم أفريقيا في المغرب ٢٠٢٥ شاهدت الفكرة العظيمة التى يقوم بها المواطن الكونغولي “ميشيل كوكا” فى كل مباراة لمنتخب الكونغو الديمقراطية مجسداً تمثال باتريس لومومبا بكل فخر واعتزاز ، واقفا على قدمه رافعاً يده طوال ٩٠ دقيقة لا يتحرك ولا يشاهد المباراة لكنه فى كل مباراة يستغل كامل وقتها ليذكر العالم بتاريخ بلاده ونضال شعبه، ويفضح بهذا التجسيد جرائم الاستعمار البلجيكى والأوربي والدور المفضوح لأمريكا والأمم المتحدة فى اغتيال لومومبا، فعاد لى الأمل من جديد أن يلتفت صناع السينما المصرية لقيمة الدور المصرى فى افريقيا وخاصة فى ظل المخاطر التى تحيط ببلادنا فى القرن الافريقى ومياه نهر النيل.
فما هى علاقة مصر ب “باتريس لومومبا” وشعب الكونغو الديمقراطية، وفى القلب منهم المشجع الكونغولي العظيم “ميشيل كوكا”
فى عام ١٩٠٨ صوت البرلمان البلجيكى على قرار باحتلال الكونغو الديمقراطية، وظل هذا الاحتلال حتى عام ١٩٦٠، فى حين احتلت فرنسا الكونغو برازافيل، وظل الاستعمار ينهب ويقمع شعب الكونغو فى البلدين، وتم تقسيمهم فى الأساس كبلدين لتحديد المساحات التى تحتلها كل دولة اوربية بغض النظر عن مصالح الشعوب الافريقية.
كان من فظائع الاستعمار البلجيكى أنه كان يطلب من شعب الكونغو الديمقراطية جلب المحاصيل والمطاط بكثرة، وكل من يتخلف عن تقديم الكمية المطلوبة منه تقطع يداه ويد زوجته وأبنائه، كما كانت فظائع الاحتلال الفرنسى فى الكونغو برازافيل لا تقل قبحاً.
وقد شكل عام 1960 نقطة تحول في تاريخ أفريقيا، فبينما كانت الكونغو الديمقراطية تحتفل باستقلالها عن بلجيكا، اندلعت أزمة سياسية وعسكرية طاحنة هددت بتمزيق الدولة الوليدة، في قلب هذا المشهد برزت مصر كداعم رئيسي للشرعية المتمثلة في الزعيم باتريس لومومبا الذى أضحى ممثلاً لشعب الكونغو الديمقراطية وهو فى عمر ال ٣٥ عام، وحين حاولت بلجيكا بمعاونة قوى الاستعمار الإطاحة به شهدت الكونغو الديمقراطية أحداث مفجعة.
بمجرد اندلاع الأزمة طلب لومومبا مساعدة الأمم المتحدة، وكانت مصر من أوائل الدول التي استجابت، وأرسلت مصر سرية مظلات (عُرفت بالكتيبة العربية) ضمن قوات الأمم المتحدة (ONUC)، قاد هذه القوة آنذاك ضابط شاب برتبة مقدم يدعى سعد الدين الشاذلي (رئيس أركان حرب القوات المسلحة لاحقاً)، وكانت مهمة القوات المصرية معقدة، فبينما كانت تعمل تحت راية الأمم المتحدة، كان التوجيه السياسي من القاهرة يدعم لومومبا بوضوح ضد الانفصاليين المدعومين من بلجيكا في إقليم “كاتانجا”، لكن سرعان ما اكتشف عبد الناصر أن دور الأمم المتحدة في الكونغو كان “مريباً” ويخدم مصالح القوى الغربية بدلاً من حماية الاستقلال، وعندما بدأت قوات الأمم المتحدة تضيق الخناق على لومومبا ومنعه من استخدام الإذاعة أو المطارات احتجت مصر بشدة، وأصدر جمال عبد الناصر قرار تاريخى بسحب الكتيبة المصرية من الكونغو في أوائل عام 1961، وفضح تواطؤ المنظمة الدولية في الانقلاب ضد لومومبا وتسليمه لخصومه.
كان لومومبا يرى في عبد الناصر “الأخ الأكبر” والملهم، ومع تزايد الخطر عليه، طلب لومومبا من ناصر حماية عائلته، فقامت مصر بعملية استخباراتية جريئة أشرفت عليها السفارة المصرية في “ليوبولدفيل” (كينشاسا حالياً)، ونجحت مصر في تهريب أبناء لومومبا الثلاثة (فرانسوا، باتريس الابن، وجوليانا) إلى القاهرة قبل وقوع الكارثة.
في يناير 1961، وقعت الكارثة وتم اغتيال لومومبا بوحشية على يد الانفصاليين وبمباركة استعمارية. استقبلت القاهرة الخبر بغضب شعبي ورسمي عارم، وتم إحراق السفارة البلجيكية في القاهرة خلال مظاهرات غاضبة، وأطلق ناصر اسم “باتريس لومومبا” على أحد أكبر شوارع القاهرة (في حي مصر الجديدة) تقديراً لتضحيته، كما يطلق اسمه حتى اليوم على أحد ميادين أسوان، كما أطلق المصريون اسم لومومبا على بعض أبنائهم منهم صدقى “يحى لومومبا”عضو حزب التحالف الشعبى.
عاش أبناء الزعيم الكونغولي في القاهرة لسنوات طويلة تحت رعاية الدولة المصرية، وتلقوا تعليمهم في مدارسها وجامعاتها.
ولم يكن دور القوات المصرية في الكونغو مجرد نزهة عسكرية، بل كان معركة سياسية بامتياز. أثبتت مصر من خلالها أن “أمن أفريقيا من أمن مصر”، ووضعت بصمتها في حماية إرث واحد من أعظم رموز التحرر الوطني في العالم.
وقد تولى “فتحي الديب” (مسؤول الشؤون الأفريقية في المخابرات المصرية آنذاك) التنسيق مع السفارة المصرية في الكونغو، حيث تم استخراج جوازات سفر مصرية بأسماء مستعارة للأطفال الثلاثة (فرانسوا، باتريس، وجوليانا)، وتم تهريب الأطفال من المنزل الخاضع للحراسة في حقائب سيارات دبلوماسية، ثم نُقلوا إلى السودان ومنها إلى القاهرة، واستقبلهم جمال عبد الناصر في منزله، وعاشوا في فيلا بحي “مصر الجديدة” بجوار منزل ناصر، وتكفلت الدولة المصرية بكافة مصاريفهم وتعليمهم حتى تخرجوا من الجامعات المصرية.
فى مذكراته ذكر الفريق سعد الشاذلي أن قيادة الأمم المتحدة كانت تمنع القوات المصرية من مساعدة لومومبا، بينما كانت تغض الطرف عن تحركات البلجيكيين والانفصاليين، وروى الشاذلي موقفاً مؤثراً عندما طُلب منه ومن قواته البقاء “محايدين” بينما كان لومومبا يُهان ويُسحل. يقول الشاذلي إن “المشاعر القومية لدى الضباط المصريين كانت تغلي”، وكانوا يتمنون التحرك عسكرياً لإنقاذه لكن الالتزام بالأوامر المصرية كان يقيدهم لعدم لفت الانتباه إليهم لحين نجاح مهمة تهريب عائلة لومومبا إلى مصر ، وكان الشاذلي من أشد المؤيدين لقرار الانسحاب، لأنه رأى أن وجود القوات المصرية أصبح “غطاءً” لعملية تصفية لومومبا، وهو ما رفضته الكرامة العسكرية المصرية.
فى 17 يناير 1961، نُقل لومومبا إلى إقليم “كاتانجا” (المعقل الانفصالي)، وتعرض لتعذيب وحشي أمام خصمه “تشومبي” وضباط بلجيكيين قبل إعدامه رمياً بالرصاص.
قام ضابط بلجيكي يدعى “جيرارد سويت” بتقطيع الجثة وإذابتها في “حمض الكبريتيك” لإخفاء الجريمة (ولم يتبقَّ منه سوى ضرس ذهبي استعادته الكونغو من بلجيكا مؤخراً في عام 2022).
وصف ناصر لومومبا بأنه “شهيد الحرية الأفريقية” في خطابه الشهير تعليقاً علي الأحداث، وقال أن جريمة اغتيال لومومبا لن تمر دون ثمن، وقرر تحويل القاهرة إلى مركز للمقاومة الكونغولية ضد الاستعمار حتى نجح شعب الكونغو العظيم فى طرد الاستعمار البلجيكى.
أبناء لومومبا ظلوا لسنوات لا يتحدثون سوى العربية بلهجة مصرية، وحتى اليوم، تعتبر “جوليانا لومومبا” (التي أصبحت وزيرة في الكونغو لاحقاً) أن مصر هي وطنها الثاني، ودائماً ما تزور ضريح جمال عبد الناصر كلما زارت القاهرة وفاءً لعهده مع والدها.
لم يكن اغتيال لومومبا حدثاً معزولاً، بل نقطة تحول محورية أرست أسس العديد من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تُعاني منها الكونغو الديمقراطية حتى اليوم، بما في ذلك الصراعات المستمرة ومعاناة الكثيرين.
وختاماً أتمنى توثيق عملية تهريب أسرة لومومبا إلى مصر ونضال شعب الكونغو الديمقراطية فى فيلم سينمائى مصرى، وخالص الشكر للمشجع الكونغولي ميشيل كوكا الذى أزاح عنى الإحباط وأعاد لى الأمل فى امكانية انتاج فيلم مصرى يجسد تلك الأحداث.
محام حقوقي

Average Rating