فقه العصفورة!!

Read Time:1 Minute, 53 Second

محمد حماد يكتب:* 

في بيئة العمل، هناك دائمًا من يُسمّى “العصفورة”، ذلك الذي ينقل الأخبار إلى الرؤساء ويعيش على أسرار الزملاء. صورة صغيرة لكنها معبّرة عن وظيفة قديمة، وظيفة من يعيش على التلصص ونقل الكلام، كأنه طائر بلا صوت خاص، يقتات على أصوات الآخرين.

ومع توهّج جريدة الوفد في زمنها الذهبي، ظهرت “العصفورة” الصحفية الشهيرة: صفحة أسبوعية تأتي بالأسرار الحكومية وغيرها، تُنشر كل يوم خميس، وينتظرها الآلاف من القراء بشغف، كأنها نافذة صغيرة على ما يُخفى خلف الكواليس.

كانت العصفورة هنا أداة فضول جماعي، تُغري الناس بما لا يُقال علنًا، وتحوّل الأسرار الفردية إلى مادة جماعية للانتظار والدهشة.

لكن العصر الرقمي قلب اللعبة رأسًا على عقب. العصافير الجديدة لم تعد ناقلة أخبار، بل صانعة ضجيج. مهمتها لم تعد الكشف عن الحقائق، بل إشغال المنصات وإشعالها، وتحويلها إلى ساحة تراشق دائم. كل نقاش يتحوّل إلى معركة، والمعركة تصبح عادة يومية، والضجيج يبتلع الجميع بلا استثناء.

وهنا يعاد صياغة ما يمكن تسميته فقه العصفورة.
حيث العصفورة لا تُقاس بقيمة الخبر الذي تحمله، بل بقدرتها على تقسيم الناس إلى فساطيط متقابلة. حين تُستدعى إلى ساحة النقاش العام، فإنها لا تأتي لتضيف معلومة أو تكشف سرًا، بل لتقسم الناس إلى مع وضد، وإلى أولئك الذين يختارون أن يكونوا مع وضد في الوقت نفسه.

ومع مرور الوقت يظهر صنف الناصحين جدًا، الذين يظنون أنهم أذكى من اللعبة وأوعى من الآخرين، فيدخلون بأقدامهم في الموضوع، لتجدهم مشاركين في العصفورة أكثر من كل الأصناف الأخرى التي وقعت في شباكها. يتركون الخناقة بين المعارضين والمؤيدين، ويمسكون برقاب الذين جمعوا بين الموقفين، كأنهم ارتكبوا جريمة الجمع بين النقيضين.

وهكذا تتكاثر الأصناف بلا نهاية، وتظل العصفورة تغرّد، والناس يرفعون أعناقهم إليها، بينما أبانا الذي فوق الشجرة يراقب المسرحية بابتسامة ساخرة.

العصفورة تحولت إلى نظام كامل لإشغال العقول والسيطرة على الانتباه.

هي التي تحوّل النقاش إلى معركة، والمعركة إلى عادة، والضجيج إلى فضاء عام يبتلع الجميع. وكلما ظنّ الناس أنهم أذكى من اللعبة، وجدوا أنفسهم غارقين فيها أكثر من غيرهم.

لا تغرد العصفورة لتسلية أحد، بل لتذكيرنا بحقيقة واحدة: مهما ادعينا الفهم أو الحياد، نحن جميعًا جزء من نظامها. نرفع أعناقنا نحو صوتها، وننساق وراء ضجيجها، بينما هي تتحكم فيما نفكر ونقول، وتحوّل كل نقاش إلى معركة لا تنتهي.

عفوك آبانا الذي يطلق عصافبره، لك الجبروت.

* كاتب صحفي

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *