العدالة الدولية المفقودة عندما تُحل القوة محل القانون

Read Time:2 Minute, 9 Second

الباحث والكاتب / أسامة شمس الدين

عندما تُنتهك السيادة ، ويُمسّ رمز الدولة ، وتغيب القيم الأخلاقية ، يفقد القانون الدولي معناه ، وتتحول قواعده إلى نصوص بلا قيمة أو أثر . فقد شهدنا في الآونة الأخيرة ما أقدمت عليه الولايات المتحدة الأمريكية من اختطاف رئيس دولة فنزويلا ، في سابقة خطيرة تمثل تحولًا غير مسبوق في السياسات والأعراف الدولية ، وانتهاكًا صريحًا لكافة المواثيق والاتفاقيات الدولية ، بما يفرغ القانون الدولى والمنظمات الدولية من دورها في المجتمع الدولي .

وفي حقيقة الأمر ، يدرك الجميع أن منظومة المنظمات الدولية تعاني من اختلال بنيوي غالبًا ما يصب في مصلحة القوى الكبرى ، وليس أدلّ على ذلك من احتكار خمس دول فقط لحق النقض (الفيتو) داخل مجلس الأمن طبقًا لنص المادة (23) من ميثاق الأمم المتحدة ، مما يمنحها قدرة شبه مطلقة على تعطيل العدالة الدولية .

إن ما أقدمت عليه الولايات المتحدة الأمريكية لا يستند إلى أي أساس قانوني معترف به دوليًا ، بل تحظر المواثيق الدولية مثل هذه الأفعال حتى بحق الأفراد العاديين . ولذا يصبح من الضروري استعراض النصوص القانونية التي تحظر استخدام القوة ، وتجرّم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، وتؤكد على مبدأ المساواة في السيادة لتبيان جسامة هذا الفعل وخطورته على النظام الدولي بأسره .

ويُعد ميثاق الأمم المتحدة الإطار القانوني الأساسي للعلاقات الدولية المعاصرة ، وقد نصّ في المادة الثانية على مجموعة من المبادئ ، من بينها مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الأعضاء ، وحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي ، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول .

كما يؤكد العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المادة الأولى على أن ” لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها ، وهي حرة في تقرير مركزها السياسي”. ومن ثم ، فإن أي اعتداء على رئيس دولة منتخب أو معترف به دوليًا يُعد اعتداءً مباشرًا على حق الشعب في تقرير مصيره ، وانتهاكًا لأساس شرعية الدولة .

كما تنص المادة السادسة أيضًا على أنه ” لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ، ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة “، ويؤكد هذا النص أن أي محاكمة يجب أن تتم أمام قضاء مختص ومستقل ، وأن أي إجراء خارج الأطر القضائية يُعد انتهاكًا للحق في المحاكمة العادلة ويفتقر إلى الشرعية القانونية .

إن تجاوز المبادئ الأساسية للسيادة واستخدام القوة بشكل انتقائي أدى إلى تآكل الأسس التي قامت عليها الشرعية الدولية منذ إنشاء الأمم المتحدة ، وجعل العدالة الدولية رهينة للمصالح السياسية للقوى الكبرى .

وعليه، فإن إعادة الاعتبار للقانون الدولي تتطلب الالتزام الصارم بميثاق الأمم المتحدة ، واحترام قواعد الاختصاص القضائي ، وضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها دون ازدواجية أو انتقائية . فالقانون الدولي ، إن لم يُطبق على الجميع دون استثناء ، يفقد جوهره ، وتصبح العدالة الدولية مجرد شعار بلا سند من الواقع أو الشرعية .

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *