يا اهل الاستنوار .. بطلوا استحمار!!

Read Time:4 Minute, 41 Second

اشرف الخمايسي يكتب:*

المستنورون موظفون لدى جهات تستهدف هدم الثوابت والأسس والركائز؛ الهدم غالبا ما يكون عملية تمهيدية للقضاء على أمة أو بلد أو وطن.

إذا كان لدينا وطن متماسك بالتقاليد، وأراد الآخرون احتلاله أو إفساده، فلا بد من هدم تقاليده. وإذا كان لدينا وطن متماسك بالعقيدة نهدم عقيدته.

الأفكار والتقاليد والعقائد لا تُهدَم بالأسلحة أو بالقنابل الذرية، تهدم بأفكار وأيديولوجيات مغايرة، بغسيل أمخاخ.

لكي تصل الأفكار المغايرة إلى وجدان المُستهدَفين وتغسل أمخاخهم لا بد من تهيئة وسيلة التوصيل، التي هي العقل طبعا.

في سبيل ذلك أول ما يفعله المستنور الوظيفي هو تحقير عقلك، لا يحقره هو أولا، بل يدفعك أنت لتحقير عقلك، وقد تحقره لدرجة تخلصك منه، هكذا يستلب عقلك منك استلابا كاملا، مرتكبا بلطجة فكرية واضحة.

وحتى تكره عقلك، وتتخلى عنه، يظل المستنور يسبح بحمد العقل في كل جملة يكتبها، في كل فقرة، في كل كتاب، في كل برنامج، في كل منشور أو مقطع فيديو، ليرسخ فيك تنويرية العقل، وأن العقل وحده سعادة الإنسان، وما دونه ظلام وإظلام وتخلف وإرهاب وكباب، هكذا ينمي فيك فكرة أن العقل عدو الدين، عدو التقاليد، هادم للأصول والأخلاق، وبمنشور وراء منشور، كتاب وراء كتاب، خطاب وراء خطاب، سيبرز شيء داخلك يهتف بك: هذا العقل شيء مقيت إذا كان يقف ضد العبادة والمحافظة، إذا كان يشجع على الانفلات والشهيصة والاختلاط و و و.

فتقوم حضرتك تعمل إييييييييه؟!

تتعصب ضد العقل كلما حاورك مستنور منهم، وتقلل من قيمة العقل، تهدر دوره، منحازا إلى أن الله أكبر من العقول، والدين أهم من التفكير.

بخطابك غير العقلاني هذا أنت تحقق للمستنور أول أهدافه.

بيدك لا بيد عمرو!

فها قد أظهرك أمام العالم كارها للعقل.

وعلى هذا الأساس يكمل لعبته معك في سبيل تحقيق مهمته الاستنوارية الوظيفية لصالح الغير.

أول سبل مواجهة المستنورين ليس التقليل من قيمة العقل، أو التنكر له، ولا الادعاء بأن النقل مقدم على العقل، فالحق هو: إن العقل مقدم على النقل، إذ كيف تم تقييم غث النقل من ثمينه لو لم يكن هناك عقل يمتلك قدرة على التعامل مع أدوات التقييم، هل تم التفقه إلا بالعقل، هل فسر القرآن إلا بالعقل، هل فهمنا الأوامر والفرائض إلا بالعقل، هل وضع علماء الحديث ضوابط الصحيح والضعيف بسوى العقل؟

وعليه، أول سبل مواجهة المستنورين هو المزايدة عليهم في تقييم العقل والإعلاء من شأنه.

داوِه بالتي هي الداء.

ومن دقنه افتل له.

ولا يشفى من سم العقرب إلا بسم عقرب.

خصوصا وأن الكائن المستنور ليس تنويريا يمتلك قدرات محاججة حقيقية، ولا مستنيرا يمتلك رؤية واضحة، المستنور عميل فكري يتخابر تنويريا لصالح جهات خارجية تستهدف تفكيك المجتمعات والأوطان، أو كائن تواصل اجتماعي شغوف بشهرة فيسبوكية، أو إكساوية، يحققها له الاستفزاز بالاستنوار، وبسبب شهرته هذه يتم توظيفه أيضا.

من الأدلة البينة على أن الثقافة التنويرية لدى المستنور أوهى من بيت العنكبوت، وأظلم من بيت الخفاش، هي مزايدته على الأصوليين بالعقل، والحقيقة أن العقل ليس أكثر من وسيلة مواصلات، دابة، يمتلكها البوذي والكنفوشي واليهودي والمسيحي والمسلم والملحد، السلمي والإرهابي، كلٌّ له عقل، وكلٌّ حين يترك نفسه لقياد عقله سيقوده عقله كالحمار تماما، إلى مُستراحِه؛ عقل المسلم يستريح بإسلامه، والملحد بإلحاده، والبوذي ببوذيته، والمسيحي بمسيحيته، والسلمي بسلميته، والإرهابي بإرهابيته.

إذن ليس العقل نفسه أداة التنوير أو الإظلام، هو مطية فكر لا أكتر لا أقل، لذلك نعتقد أن أداة التنوير والإظلام هي الرسن، اللجام، المهماز، الذي يتم بها التحكم في توجيه العقل وقدرة تفكيره، دواسات البنزين والفرامل والدبرياج والدريكسيون في السيارات الحديثة.

وأرى أن أداة التحكم في عقل الإنسان، التي توجهه للأهداف الفكرية المقصودة، هي الضمير.

الضمير يتحكم في العقل، وأداة التمييز المُفرقة بين التنويري والاستنواري، المسلم والمتأسلم، المسيحي والمتمسحِن، البوذي والمتبَوذن، وهكذا.

الضمير هو الفصل في تحديد قيمة الخطاب، ونبل أهدافه أو خبثها.

فإذا ارتضينا الضمير قيادة للعقل فعلينا النظر في الفارق بين ضمير الأصولي (في أنقى حالاته) وضمير التنويري (في أنقى حالاته).

إلام يقود الضمير عقل الأصولي، وإلام يقود الضمير عقل التنويري.

الضمير الأصولي (في أنقى حالاته) يضع الإنسان في مكان من الله، ويطلقه في عالم عقائدي واسع، الإنسان ليس هملا فيروسيا في أكوان مادية واسعة، بل شخصية رئيسة في الرواية الإلهية العظمى، وشريك للملائكة والجن، رواية الخلود، حيث لا يفنى الإنسان أو ينتهي بالموت، بل تمتد حياته في عوالم أخرى بحسب ما قدم في حياته هذه، الجنة لمن أحسن، والجحيم لمن أساء، والنوايا بند أساسي في الحكم ـ ربما النية هي الصورة المؤنثة للضمير ـ الضمير الأصولي رحب خلاق، لا يجعل من خارج الإنسان رقيبا عليه سوى الله، إنها الحرية في أسمى معانيها المتاحة دنيويا.

أصحاب هذا الضمير لا توجد قوة على الأرض يمكنها سحقهم أو إبادتهم، أوطانهم محصنة، ومهما انهزمت لا تموت، بل تنتظر مستقبلا منتصرا كان عند الله حتما مقضيا، خطابهم النهائي: نحن قوم ننتصر أو نموت.

الضمير التنويري يقطع صلة الإنسان بالله، ويعظم قيمة الإنسان الذاتية الشخصية، ينفي الجماعة لصالح الفرد، يجعله وحيدا، ويسلمه للمادة، أي يسلم الإنسان للإنسان، يسلم الضمائر للضمائر، والرقيب هو الشرطة والبوليس وكاميرات المراقبة، لا حياة آخروية تُقضَى فيها الحقوق، وعلى المظلوم الانقهار أو الانتحار، فجميع الدوال تؤكد على أنه لا حق في الدنيا يستوفي كامل مظلومية الإنسان، على سبيل المثال: أي حق أعيد للمقتول ابنه بإعدام قاتله؟!

هكذا إذا صار المواطنون يؤمنون بالإنسان لا الله، بالقانون لا شرع الله، بالمادة لا الروح، بالعقل المجرد لا العقيدة، صارت هزيمتهم في أي موطن أسهل من شرب الماء الزلال. واستغلالهم أسهل من استغلال قطعان المواشي. فالقوة هي لغة الفصل، لا الله، والعبث هو السيد لا التدبير الإلهي.

مثلا: الضمير الأصولي في حرب غزة لم يجعل فلسطينيا واحدا يقدم على الانتحار رغم الإبادة البشعة، وقتل الأبناء، والجوع، والفتك الافتراسي، في ذات الحرب فشل الضمير التنويري في حماية مكونات تفس الإنسان الصهيوني المتنور هناك، فأقدم كثير منهم على الانتحار. رغم أن خسائرهم لا تكاد تذكر إذا قورنت بخسائر القطاع.

الخلاصة:

لا تقل النقل مقدم على العقل.

بل قل: العقل مقدم على النقل ثلاث مرات.

وضِف: لكن الضمير مقدم على العقل.

الأفئدة تنير للعقول طريقها.

وقل لأهل الاستنوار:

بطلوا استحمار.

*روائي مصري

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *