17و 18 يناير .. غابت السياسة… فانفجر الشارع

Read Time:4 Minute, 18 Second

بعد خمسين سنة مرت على 18 و19 يناير 1977، لم تعد تلك الأيام قابلة للاختزال في توصيفات سريعة من قبيل «انتفاضة خبز»، كما لم يعد مقنعًا إدراجها في خانة «انتفاضة حرامية» التي استقر عليها الخطاب الرسمي زمنًا طويلًا.

ما جرى في تلك الأيام كان أوسع من أزمة معيشية، وأعمق من اضطراب أمني؛ كان لحظة كاشفة، من تلك اللحظات النادرة التي يرفع فيها التاريخ الغطاء عن بنية العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويكشف حدود السياسة حين تنفصل عن الاقتصاد، وحدود القرار حين يتجاوز قدرة الناس على الاحتمال.

لم يأت الانفجار ـ يقينًا ـ من أجل رغيف ارتفع سعره، بقدر ما عبَّر عن إحساس عام بأن موقع الدولة من المجتمع يتغيّر دون إعلان، ودون شرح، ودون تفاوض.

الدولة التي اعتادها الناس، منذ يوليو 1952، بوصفها راعيًا وضامنًا، بدت فجأة وكأنها تعيد تعريف دورها باعتبارها جابيًا ومنظّمًا للسوق أكثر من كونها شريكًا اجتماعيًا.

هذا الانتقال لم يُقدَّم بوصفه خيارًا وطنيًا، ولا كتحول له أثمان موزعة بعدالة، بل فُرض كأمر واقع باسم الضرورة الاقتصادية، فكان طبيعيًا أن يُستقبل بالرفض لا بالفهم.

ولذلك، فإن توصيف ما جرى باعتباره انفجار جوع مفاجئ لا يصمد أمام التحليل.

يناير 1977 كانت تعبيرًا عن تراكم مكثف من الاختلالات، عبر سنوات قليلة، وعن فجوة اتسعت تدريجيًا بين توقعات مجتمع تشكّلت عبر عقود من الحماية والدعم، وسياسات جديدة تُدار بمنطق مختلف، وتُقدَّم بلغة باردة لا ترى في الناس سوى أرقام في معادلة مالية.

هنا لم يكن الصدام بين سلطة وجائعين، بل بين تصورين للدولة: دولة المشروع الاجتماعي، ودولة الانفتاح الاقتصادي غير المشروط.

كانت مصر قد خرجت لتوّها من حرب كبرى، محمّلة بشرعية سياسية ورمزية افترضت السلطة أنها كافية لعبور أي تحوّل.

لكن هذه الشرعية، مهما بلغت، لم تكن بديلًا عن عقد اجتماعي مُحدَّث يشرح للناس ماذا يُؤخذ منهم، وماذا سيعود عليهم، ومتى.

جرى تفكيك شبكة الحماية الاجتماعية بسرعة سبقت قدرة المجتمع على التكيّف، في وقت لم تتشكّل فيه بعد بنية إنتاجية قادرة على امتصاص الصدمة.

هكذا تحرك القرار الاقتصادي أسرع من السياسة، وتقدّم الإجراء على الإقناع، فبدت الدولة قوية في قرارها، لكنها ضعيفة في قدرتها على تحمّل نتائجه.

في تلك اللحظة تحديدًا، ظهر الخلل البنيوي في إدارة العلاقة بين السياسة والاقتصاد.

الاقتصاد أُدير كمسألة تقنية خالصة، تخضع لحسابات العجز والفائض، ولضغوط خارجية لا تُقال صراحة، بينما غابت السياسة عن دورها الطبيعي في التدرج وبناء القبول العام.

وحين تُدار التحولات الكبرى بلا سياسة، لا يعود القرار مجرد إجراء، بل يتحول إلى صدمة، وتتحول الصدمة إلى احتجاج ثم انفجار.

كانت يناير إعلانًا مبكرًا أن السوق لا يمكن أن يحل محل الدولة في مجتمع لم يُهيَّأ بعد لمنطق السوق، وأن الإصلاح الاقتصادي إذا انفصل عن العدالة يتحول إلى عبء لا أفق.

كشفت يناير كذلك عن حدود القرار ذاته. فالقرار، مهما بدا قانونيًا أو ضروريًا، ليس مطلقًا. له حدود غير مكتوبة ترسمها قدرة المجتمع على الاحتمال، وهذه القدرة لا تُقاس بالجوع وحده، بل بالإحساس بالإنصاف والمشاركة.

المواطنون يتحمّلون الفقر حين يشعر الجميع أنه موزع بعدالة أو مرتبط بهدف وطني جامع، لكنهم لا يتحمّلون الإحساس بأن العبء يُلقى عليهم وحدهم، وأن التحولات تُدار فوق رأسهم لا معهم.

ومن هنا تتجاوز يناير 1977 كونها حادثة تاريخية إلى كونها درسًا سياسيًا مفتوحًا.

درسًا للنخبة الحاكمة بأن الاقتصاد في بلد كمصر ليس شأنًا تقنيًا، بل سياسة بامتياز، وأن المساس بالخبز أو الدعم أو الأجور هو مساس مباشر بشرعية الحكم.

ودرسًا آخر بأن غياب الوسيط السياسي ـ الأحزاب، البرلمان، النقابات ـ لا يُلغي الغضب، بل يدفعه إلى الشارع بلا لغة تفاوض ولا سقف احتواء.

ودرسًا ثالثًا بأن الأمن، مهما بلغ، لا يستطيع أن يكون بديلًا عن السياسة؛ قد يُنهي اللحظة، لكنه لا يُغلق الأسئلة.

لهذا لم تنتهِ يناير بانتهاء أيامها. بقيت كامنة في الوعي الجمعي، مرجعًا صامتًا لكل مواجهة لاحقة بين الدولة والمجتمع.

ظلّت هناك، كخبرة غير مكتوبة، كامنة في الوعي الجمعي، مرجعًا صامتًا لكل مواجهة لاحقة بين الدولة والمجتمع، بوصفها التجربة التي كشفت أين تنتهي سلطة القرار، وأين يبدأ ردّ الفعل الشعبي. إلى أن عادت لتطفو على السطح في يناير 2011، لا بوصفها استعادةً لحدث، بل بوصفها انفجارًا مؤجلًا لسؤال لم يُحسم:

كيف تُدار الدولة حين تغيب السياسة، ومن يدفع ثمن هذا الغياب؟

يناير 1977، كما يناير 2011، تاريخان يحملان تحذيرًا قائمًا من سياسات تُدار فوق المجتمع لا معه، ومن نخب حاكمة تخلط بين السيطرة والشرعية، وبين الصمت والاستقرار؛ ترى السكوت علامة رضا، وتتعامل مع الهدوء باعتباره تفويضًا مفتوحًا للاستمرار.

 

غير أن التاريخ، وإن لم يُعد نفسه حرفيًا، لا يكفّ عن معاقبة من يصرّ على تجاهل دروسه.

 

في يناير 1977 كان الدرس واضحًا: حين تنفصل الدولة عن الناس، لا يعود الخبز مسألة معيشية، بل يتحول إلى لغة سياسة… وربما إلى لغة مصير.

 

وفي يناير 2011 عاد الدرس ذاته، أكثر اتساعًا وأشد قسوة: من دون عدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية، وحياة سياسية حقيقية، لا استقرار يدوم، ولا استمرار مضمون، مهما بدا المشهد ساكنًا، ومهما أوحت السيطرة بعكس ذلك.

يبقى درس للساعين إلى المستقبل:

قبل أن تطلبوا التغيير أعدوا له عُدته.

بقلم / محمد حماد

كاتب صحفي 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *