إبراهيم عيسى… صانع الضجيج الفارغ

Read Time:1 Minute, 40 Second

محمد حماد يكتب:

إبراهيم عيسى ليس مجرد إعلامي يعبّر عن رأي، بل نموذج صارخ للإعلام الذي فقد بوصلته وتحول من البحث عن الحقيقة إلى أداء وظيفة مدفوعة الأجر في خدمة خطاب بعينه.

الرجل الذي كان يومًا ما يتحدث بحماسة عن جمال عبد الناصر، ويقدّم نفسه صوتًا قريبًا من قضايا العروبة والمقاومة، أصبح اليوم على الضفة المقابلة؛ يهاجم كل ما هو عروبي، ويسخر من خطاب المقاومة، ويغازل الرواية الإسرائيلية في أطروحاته.

هذا التحول ـ أو إن شئت الانقلاب ـ الحاد لا يعبر عن مراجعة فكرية طبيعية، بل هو أقرب إلى انتقال من موقع إلى آخر داخل منظومة إعلامية تغيّرت أولوياتها.

حيث تكون المصلحة ستجد مثل هؤلاء يسارعون في ركابها.

ليس عيسى استثناءً في ذلك. فقد شهدت السنوات الأخيرة ظاهرة لافتة: أصوات كانت يومًا جزءًا من الخطاب القومي أو اليساري تحولت فجأة إلى أشد خصومه،

وكأن المطلوب منها أن «تكفّر عن ماضيها» عبر مهاجمة كل ما كانت تدافع عنه. في مثل هذه الحالات، لا يعود الإعلامي صاحب موقف، بل يصبح جزءًا من آلية إعلامية تريد فرض خطاب واحد، وإظهار أن كل ما عداه مجرد وهم أو خطأ تاريخي.

في هذا المناخ يزدهر الصخب ويختفي النقاش الحقيقي. تتحول البرامج إلى منصات للزعيق لا للحوار، ويُستبدل الجدل الفكري بالتجريح والسخرية، ويصبح الإعلامي الذي يرفع صوته أكثر من غيره الأوفر حظًا في الحضور والانتشار.

من هنا يبدو إبراهيم عيسى أقلّ كونه حالة فردية، وأكثر كونه تعبيرًا عن زمن كامل: زمن تتراجع فيه الكلمة المسؤولة، ويعلو فيه الضجيج، ويُعاد فيه تشكيل الوعي عبر إعلام يتقن إثارة الغبار أكثر مما يتقن كشف الحقيقة.

إبراهيم عيسى الذي أدمن الانتقال بين الموقف ونقيضه، ليس إلا علامة على زمنٍ فقد احترامه للكلمة؛ زمنٍ يرتفع فيه صوت الباطل حتى يختلط على الناس بالحقيقة ويعلو فيه الضجيج على الصوت الصادق.

لكن التاريخ علّمنا أن الصخب مهما علا لا يصنع حقيقة، وأن الكلمة الصادقة قد تخفت أحيانًا، لكنها تبقى أقدر على البقاء من كل ضجيجٍ مؤقت.

الحقيقة لا تموت، وصوتها سيظل قادرًا على فضح الزيف مهما ارتفع صراخ المرتزقة.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *