موت المؤلف في دراما رمضان!!

Read Time:3 Minute, 42 Second

د.أيمن منصور ندا يكتب: 

لا يحتاج الأمر إلى متخصصٍ للقول بأنَّ الدراما التليفزيونية العربية تمرُّ بأزمة حقيقية.. ولا يحتاج إلى خبيرٍ للتدليل على مواطن الضعف السائدة فيها؛ ولعلَّ أبرزها هو “غياب النص المؤثر”، وعدم توفّر الورق المكتوب بعناية.. على مدار عقود عديدة كان النص الأدبيّ هو البطل، وهو الأساس، غير أنَّه أخذ في التواري تدريجياً، حتى اختفى تماماً في السنوات الأخيرة، وغابت معه الأبعاد المعرفية والرؤية الفكرية في كثير من الأعمال الدرامية.. لا تقتصر الأزمة على بلد عربي دون آخر، فكلُّنا في أزمة الدراما وفي همّها شرقٌ!…

بعض كتاب الدراما العرب يتخذون من نصيحة الكاتبة الأمريكية كريستال وودز (1970- …): “اكتب كأنَّ لا أحد يقرأ” عقيدة لهم.. هم يكتبون وفي ظنهم أن لا أحد يفهم، ولا أحد يدقّق.. والمحصلة هذا الطوفان من الأعمال الدرامية العربية التي لا يقابلها أدنى اهتمام، ولا ينتج عنها أيّ تأثير… الأعمال الدرامية التي لا تُحدِث تأثيراً هي، على حدّ تعبير المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905- 1973)، “كلمة ميتة مدفونة في نوع من المقابر نسميه القاموس”.. الكتابة التليفزيونية المهلهلة هي نتاج تعليم متردٍ، وثقافة ضائعة، وإتقان مفقود في كثير من البلدان العربية…

الكتابة الدرامية التليفزيونية إبداع شخصي؛ “ورش العمل” لا تنتج إبداعاً، أقصى ما تقدمه اسكتشات كوميدية، أو مواقف درامية مفكَّكة.. التجربة تؤكد ذلك، والأعمال الحالية شاهدة عليه.. مصمم البرامج الجاهزة السويدي لينوس تورفالدس (1969- …) يشير إلى أن “عدداً ضخماً من القرود لا يستطيع أبداً تصميم برنامج جيد”.. العدد لا يعني شيئاً.. المهم الفرد.. الإبداع في الكتابة عمل فردي.. وكما لا يستطيع أكثر من رسَّام صنع لوحة متقنة، ولا يستطيع أكثر من شاعر الاشتراك في كتابة قصيدة واحدة، فكذلك العمل الدرامي، يقوم على الفردية؛ الرؤية الإبداعية عمل فردي في الأساس…

امتلاك التكنولوجيا وحده لا يكفي لإنتاج أعمال درامية جيدة.. من الميسور استيراد التكنولوجيا، ومن السهل تعلم مفرداتها؛ لا يحتاج ذلك إلى تراكم معرفي معقد، أو بناء ثقافي متراكم.. الكتابة في المقابل تحتاج إلى ذلك كله.. في معظم الأعمال الدرامية العربية الحالية هناك طفرة في جودة الصورة بكل عناصرها ومستلزماتها، وهي جودة مرتبطة بالثورة التكنولوجية في مجالات الإضاءة، والتصوير، والمونتاج، وغيرها.. بعدد قليل من سنوات الخبرة، يستطيع الشباب السيطرة على هذه الأدوات.. غير أن الكتابة تختلف عن ذلك.. تحتاج الكتابة الجيدة إلى سنوات طويلة من القراءة المتعمقة، ومن التكوين الثقافي متعدد الطبقات والمصادر، وهو ما يفتقده كثير من كتاب الدراما الحاليين…

إن الكتابة هي أساس العمل الإعلامي.. في البدء كانت الكلمة، وفي الأصل كان النص؛ يستوي في ذلك الأعمال الدرامية أو حتى حوارات “التوك شو”.. كثير من الكتابات المعاصرة أشارت إلى “موت المؤلف”، ولكنها لم تصل إلى مرحلة “موت النص”.. ما نشاهده في كثير من الأعمال الدرامية العربية الحالية هو بمثابة إعلان لموت “النص الأدبي”، مع ما يستدعيه ذلك من غياب الرؤية، والفكرة، وتأثير الكلمة.. الأعمال الدرامية الخالدة في ثقافتنا العربية كانت مبنية على نصوص أدبية مميزة.. أعمال نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وإحسان عبد القدوس، وتوفيق الحكيم، ويوسف السباعي وغيرهم كانت الأساس.. حتى الذين لحقوا بهم بإبداع ممن تخصصوا في مجال الدراما التليفزيونية كانت لهم إسهاماتهم الأدبية المكتوبة: كتابات أسامة أنور عكاشة، ووحيد حامد، ومحمد جلال عبد القوي، ومحفوظ عبد الرحمن، ومجدي صابر، وعبد الرحيم كمال، وغيرهم توضح ذلك وتؤكده.. الدراما العربية الحالية تفتقد المؤلف صاحب الإبداع والأوجاع…

ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.. شتان بين من يكتب وهو مهموم بقضيته، وممسك بالجمر نصرةً لها، ومن يكتب الدراما التليفزيونية “سبوبة”، و”نحتاية”، ومصدر رزق.. كان خليل جبران (1883- 1931) يردد “ليس من يكتب بالحبر كمن يكتب بدم القلب”… وكان إرنست همنجواي (1899- 1961) يرى أن الكتابة في جوهرها “نوع من النزف: ما عليك سوى أن تجلس أمام الآلة الكاتبة وتبدأ بالنزيف”، أو هي “انفتاح لجرح ما” على تعبير فرانز كافكا (1883- 1924).. بل إنَّ الكتابة الدرامية قد تتعدى ذلك بكثير حين تبتغي تغيير الواقع، ومعالجة مشكلاته الحياتية، والإسهام في تعديل أوضاعه.. في هذه الحالة تصبح “الكتابة عملا انقلابياً” كما يراها نزار قباني (1923- 1998).. ما نراه على الشاشات العربية إلا قليلاً عكس ذلك تماماً.. الكتابة يتداعى على قصعتها كثيرون، ولكنها ضعيفة كغثاء السيل؛ لا تعبر عن واقع، ولا تدفع إلى مستقبل، وتحجب شمس الحقيقة بظلالها الكثيفة…

النتائج المترتبة على موت المؤلف وغياب النص في الدراما العربية الحالية عديدة؛ الأفكار والأحداث لا تكفي لعمل مسلسل بحلقاته الثلاثين؛ ولذا، يتم مطُّها، وتطويلها، واختلاق أحداث لا صلة لها بالواقع.. الكليشيهات المبتذلة أصبحت سيدة الموقف في بناء الشخصيات.. واللغة السوقية هي السائدة في الحوارات.. والغاية النهائية هي الاستحواذ على الترندات.. وهو ما أوصلنا إلى مرحلة الأفكار المعلَّبة، والشخصيات المجمَّدة، والدراما التليفزيونية المحفوظة…

بعد موت المؤلف، وغياب النص الأدبي، وصلنا إلى مرحلة جديدة؛ يموت فيها المتلقي، وينتحر المشاهد، ويختفي المتابع، ويتم معها دفن أحد ركائز القوة الناعمة في المجتمع..

(إعادة نشر)

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *