د. نبيلة حسن.. حين تكون الريادة بالافعال لا بالشعارات

Read Time:3 Minute, 23 Second

 

 

بقلم : د. محمد جمال الدين

في اللحظات الفارقة من تاريخ المؤسسات الكبرى، لا يكون التغيير قرارًا إداريًا فحسب، بل يكون قدرًا يختار من ينهض به، ومنذ أن تولت د. نبيلة حسن رئاسة أكاديمية الفنون قبل أيام قليلة، بدا وكأن عقارب الزمن قد قررت أن تتحرك من جديد، وأن الصمت الذي طال أروقة الأكاديمية قد انقلب إرادة، والجمود قد استحال حركة، والتردد قد صار حسمًا، إذ لم يكن حضورها إلى موقع المسؤولية حضورًا بروتوكوليًا عابرًا، بل جاء محملًا برؤية، ومسنودًا بخبرة، ومؤطرًا بإيمان عميق بأن أكاديمية الفنون ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي ذاكرة وطن، ومختبر إبداع، ومرآة لوعي ثقافي يتشكل عبر أجيال.

ومنذ اللحظة الأولى أعلنت بالفعل لا بالقول أن زمن التراخي قد انقضى، وأن عهدًا جديدًا من الانضباط والعدل والتطوير قد بدأ، إذ أن ما تشهده الأكاديمية اليوم ليس تغييرًا شكليًا في العناوين، بل مراجعة جذرية في البنية والآليات، فلقد شرعت د. نبيلة حسن في ما يمكن تسميته بثورة تصحيح شاملة، وإعادة الحقوق إلى أصحابها دون مواربة أو مجاملة، بعدما أصاب بعض مفاصل العمل في الآونة الأخيرة ما يمكن وصفه بالشلالية والمحسوبية، وهي أمراض إذا تسللت إلى مؤسسة فنية قتلت روحها قبل أن تضعف أداءها، غير أن القيادة الحاسمة لا تهادن الخلل، بل تواجهه بمنهج مؤسسي صارم، وهكذا بدأت عملية فرز دقيقة، لا تُقصي إلا بميزان الكفاءة، ولا تُقرب إلا بميزان الاستحقاق، إنها لا تبحث عن صدام، بل عن نظام، لا تسعى إلى هدم، بل إلى تقويم، لا تتحرك بدافع الانتقام من الماضي، بل بدافع حماية المستقبل.

من أبرز ما يميز المرحلة الراهنة تلك الروح العملية التي تتعامل مع الأزمات بوصفها مشكلات قابلة للحل، لا أقدارًا محتومة، فملفات العجز في بعض التخصصات، والمعوقات الإدارية التي كانت تؤثر في انتظام الدراسة، واحتياجات البنية التحتية، كلها وُضعت على طاولة البحث الجاد، لذا فإن ما تقوم به الدكتورة نبيلة حسن ليس إدارة يومية فحسب، بل تخطيط استراتيجي يعيد للأكاديمية قدرتها على أداء رسالتها كاملة، تعليمًا، وإنتاجًا وفنيًا، وبحثًا علميًا، وتواصلًا مجتمعيًا، فلقد تحولت الشكوى إلى خطة، والملاحظة إلى قرار، والتأجيل إلى تنفيذ، وهذا هو الفارق بين إدارة تسير الأمور، وقيادة تصنع التحول.

تمتلك الدكتورة نبيلة حسن مزيجًا نادرًا من الصفات القيادية، الحسم حين يجب الحسم، والإنصات حين يكون الإنصات ضرورة، والصرامة في مواجهة التجاوز، والمرونة في احتواء الرأي المختلف، وهي تدرك أن المؤسسة الفنية لا تُدار بعقلية بيروقراطية جامدة، بل بعقلية تستوعب الإبداع، وتحتضن الموهبة، وتحمي الاجتهاد، وتاريخها الأكاديمي وخبرتها الطويلة في العمل الفني والإداري منحاها رؤية مركبة، فهي تعرف خبايا العملية التعليمية، وتفهم طبيعة الفنان، وتدرك حساسية المناخ الثقافي، ولذلك فإن قراراتها ليست ارتجالًا، بل خلاصة معرفة وتجربة.

لطالما كانت أكاديمية الفنون قلعة للإبداع العربي، ومهدًا لتخريج أجيال صنعت الوعي الجمالي في مصر والعالم العربي، غير أن الريادة لا تُحفظ بالذكرى، بل تُصان بالتجديد، ومن هنا يأتي إصرار القيادة الجديدة على التحديث، من خلال تطوير المناهج، دعم الأنشطة، تفعيل دور المعاهد المختلفة، والانفتاح على آفاق أرحب من التعاون الثقافي، لذا فأكاديمية الفنون الآن في لحظة استعادة للثقة، ثقة الطالب في مؤسسته، وثقة الأستاذ في عدالة منظومته، وثقة المجتمع في أن الأكاديمية قادرة على أن تعود منارة كما كانت، بل وأكثر، وأعمق ما في هذا التحول أنه يعيد الاعتبار لفكرة الكرامة المؤسسية، فالمؤسسة التي تُدار بالعدل، وتُحترم فيها القواعد، ويُحاسب فيها المقصر، ويُكافأ فيها المجتهد، هي مؤسسة تستعيد روحها، وما تقوم به د. نبيلة حسن هو إعادة بناء هذه الروح، روح الانتماء، وروح المسؤولية، وروح الشفافية، إنها لا تخوض معركة ضد أحد، بل ضد مفاهيم خاطئة، لا تواجه أفرادًا، وتعمل على استبدالها بثقافة العمل الجاد، والمساءلة العادلة.

قد يكون قد مرت أيام قليلة على توليها المسؤولية، لكنها أيام مكثفة الدلالة، فليست العبرة بطول المدة، بل بوضوح الاتجاه، وقد بدا الاتجاه واضحًا، يتجلى في إصلاح شامل، تطوير مدروس، عدالة حاسمة، واستعادة لمكانة تستحقها أكاديمية الفنون، لذا فإن د. نبيلة حسن تمثل اليوم نموذجًا للقيادة التي تؤمن بأن الفن رسالة، وأن الإدارة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سلطة وظيفية، وفي زمن تحتاج فيه مؤسساتنا إلى شجاعة القرار ونزاهة الرؤية، تبدو هذه التجربة وكأنها إعلان بأن الإصلاح ممكن إذا توافرت الإرادة.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *