العالي للفنون الشعبية.. حين تصبح ثقافة التبعية معياراً

بقلم : محمد جمال الدين

​إن أشد أشكال السقوط خطورة لا تبدأ بانهيار المؤسسات المادية، بل حين تُفرغ المعاني التشريعية والأكاديمية الكبرى من مضامينها الفلسفية والأخلاقية، وتتحول العقول الحارسة للعلم إلى حراس بوابات يبيعون الحقيقة على موائد المصالح الشخصية، ويشيدون جدران العزل أمام كل فكر حر يهدد عروشهم الزائفة.

​إن المؤسسات الأكاديمية بمعناها الفلسفي الأصيل، هي معبد العقل ومحراب النور الذي يتجاوز حدود المنفعة الشخصية الضيقة إلى آفاق الصالح العام والإرتقاء بالإنسان، غير أن الواقع المرير الذي تشهده أروقة أحد المعاهد بأكاديمية الفنون، وتحديداً في المعهد العالي للفنون الشعبية، يكشف عن مفارقة مأساوية تجسد إغتيالاً منهجياً للروح الأكاديمية، وإنتهاكاً صارخاً للغايات التشريعية التي أُقرت من أجلها المادة 86 من قانون تنظيم أكاديمية الفنون رقم 158 لسنة 1981، والقرار الجمهوري رقم 401 لسنة 1989 الصادر بتاريخ 9 أكتوبر 1989، والقانون رقم 58 الصادر بتنظيم الأكاديمية.

​لقد أُوجد هذه القرارات والقوانين بند التعاقد مع الخبراء من الفنانين والأدباء في التشريع المصري، ليكون شرياناً حيوياً لسد العجز الأكاديمي، وإستقطاب القامات الفاعلة التي تثري العملية التعليمية، غير أنه بفعل عبث العابثين وهوان الإدارة في المعهد العالي للفنون الشعبية، تحول هذا البند القانوني السامي إلى باب خلفي هابط لمجاملة الأصحاب، والأصدقاء، والخارجين على المعاش، ممن لا علم لديهم يقدمونه ولا سيرة تحترم، بل يتسلحون بسياسة قطيع الموالين ممن طبقوا شعار الأعمى والأبكم والأصم بامتياز: لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم، وليذهب الصالح العام ومصلحة الطلاب إلى الجحيم.

​وعند التأمل في التأصيل القانوني للتعاقد مع الخبراء بأكاديمية الفنون، يتجلى بوضوح كيف انتزعت النصوص التشريعية من روحها الفلسفية، عبر إهدار صلاحيات مجلس القسم الأصيلة، فحين تؤكد اللوائح الأكاديمية واستقر عليه العرف التشريعي وفق القانون رقم 158 لسنة 1981 والقرار الجمهوري رقم 401 لسنة 1989 أن مجلس القسم العلمي هو صاحب الولاية الأصيلة والسيد الحر لقراره، باعتباره المنوط به وحده تحديد الإحتياجات الأكاديمية وإعلان الحاجة لسد العجز في التخصصات المختلفة، تأتي ممارسات عميدة المعهد وأستاذ متفرغ مهيمن ومسيطر لتصادر هذه الصلاحيات وتسير الأمور وفق هواه.

​وتبرز الكارثة في أبهى صورها من خلال الواقعة الصارخة عندما رشحت إحدى القامات الأكاديمية رفيعة المستوي ذات اليد البيضاء، والحرص المطلق على الصالح العام، خبيراً مسرحياً بارزاً لسد العجز في شعبة المسرح الشعبي بقسم فنون الأداء، تلا ذلك تقدم الخبير بطلبه الرسمي المرفق بسيرته الذاتية، ووافق مجلس القسم برئاسته وأصر في مجلس المعهد على استقدامه عدا الأستاذ المتفرغ المهيمن والمسيطر، ولكن بدلاً من احترام العقل واللوائح، ولأن العميدة وهذا الأستاذ المتفرغ يدركا أن هذا الخبير قامة ذات وزن ستضيف للطلاب، وتكشف المستور، لجأت العميدة والأستاذ المتفرغ المسيطر بنوع من الدهاء والمكر الرخيص، إلى التلاعب مع بعض مسؤولي الموارد البشرية، لإخراج رد مزيف مفاده أنه لا توجد موارد مالية للتعاقد مع خبراء في هذا الوقت، وما هي إلا لحظات حتى انكسرت هذه الذريعة المالية الواهية أمام الواقع، فكيف يُدعى العجز المالي في الأكاديمية، بينما يتم في ذات التوقيت في المعهد العالي لفنون الطفل التعاقد بكل أريحية مع اثنين من الخبراء؟، إن هذه المفارقة تكشف بوضوح أن المانع لم يكن مالياً قط، بل كان خوفاً رعديداً من دخول خبير حقيقي يعرف خبايا أروقة المعهد وما يدار فيها من كوارث، ويمتلك شجاعة النقد والتغيير.

​وتتجلى المفارقة أكثر عند مقارنة السيرة الذاتية للحقيقة في مواجهة خفافيش الظلام، فالخبير المرفوض بحيلة عجز الموارد المالية، هو شخصية عامة فاعلة في الوسط المسرحي، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية، يحمل دبلومتين من أكاديمية الفنون، تعامل مع كبار فناني المسرح وقدم عروضاً من بطولة كبار النجوم، وتولى مناصب قيادية في مسارح البيت الفني، وأشرف على تجهيز العديد من المنشآت المسرحية، واستعين به في دول عربية للتدريس والإشراف، فضلاً عن خبرته الطويلة في لجان التحكيم، ورغم هذه السيرة الذاتية المضيئة التي تسبقه وتفرض احترامها، تم رفض التعاقد معه لأنه يملك رأياً وكرامة، وفي المقابل نجد خبيراً في شعبة المسرح بالمعهد العالي للفنون الشعبية وفي نفس الشعبة، شعبة المسرح الشعبي، كل مؤهلاته أنه خريج فنون مسرحية وناقد مسرحي لا مشروع نقدي له، وفشل حتى في الحصول على دبلوم الدراسات العليا من معهده، وظل حتى ناهز الستين من عمره بلا رصيد علمي يذكر، ورغم شكاوى الطلاب المتكررة منه ورفض أساتذة الشعبة لتواجده، تصر العميدة والأستاذ المتفرغ المسيطر على استمراره وفرضه بقوة السلطة لأنه يجيد التبعية والصمت العميق.

​ولم تعد هذه الظاهرة مقتصرة على شعبة المسرح الشعبي فحسب، بل امتدت لتشمل شعبة الموسيقى وشعبة الألعاب والرقص الشعبي، بل وحتى قسم الأدب الشعبي الذي طالما طلب التعاقد مع أسماء قامات معينة كخبراء، وتم رفض طلباتهم مراراً وتكرارا، وهنا تبرز الإشكالية الفلسفية والأخلاقية الأعمق المتمثلة في صمت أساتذة الأدب الشعبي، وأساتذة الشعب الأخرى، عن هذا الإغتصاب الشرعي لصلاحياتهم، إذ أن ميل البعض إلى السكينة والهدوء، وتجنب المعارك الأكاديمية، ليس مسالمة، بل هو تواطؤ غير مباشر مع فساد المنظومة، فحين يصمت العالم والمفكر عن ممارسة حقه الأصيل في حماية قسمه ومادتيه والعملية التعليمية، فإنه يفسح المجال للجهلاء وأصحاب المصالح ليعيثوا في الأرض فساداً.

​إن التاريخ الأكاديمي لا يرحم الذين جعلوا من العلم تجارة، ومن اللوائح ألعوبة، ومن الأمانة التعليمية قرباناً يقرب على مذابح الشللية والمحسوبية، كما إن تحويل بند التعاقد مع الخبراء المنصوص عليه في القانون رقم 158 لسنة 1981 والقرار الجمهوري رقم 401 لسنة 1989، من أداة لإرتقاء العقول وتغذيتها بالخبرات الحقيقية، إلى عزبة خاصة يوزع فيها النفوذ والمجاملات على الأصحاب، والخارجين على المعاش ممن لا يجيدون سوى طأطأة الرؤوس، هو جريمة مكتملة الأركان بحق الوطن وبحق طلاب المعهد العالي للفنون الشعبية، ولن يسترد المعهد عافيته إلا برفض هذا الزيف، وتعرية المكر الإداري الذي يتستر بالمال ليقصي القامات ويفسح المجال للمنبطحين، وعليه فلابد للضمير الأكاديمي الحي، وللأساتذة الأحرار في كافة الأقسام، رفض هذا المسار المظلم، والدفاع عن سيادة القسم العلمي، وحق الطالب في معلم يمنحه النور لا الجهل، وإذا كان لبعض المسئولين أن يتوهموا أن أساليب المكر والدهاء ستمر دون كشف، فإن للحق صولته، وللحديث بقية…

* المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها ولاتعبر بالضرورة عن توجهات المنصة وادارتها

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *