متى يعتزل جيل السبعينيات؟

Read Time:3 Minute, 1 Second

محمد حماد يكتب:*

سأظل معتقدًا أن جيلنا حقق ما حقق على الصعيد السياسي، وكانت له بصمته بكل تنوعاته الفكرية، وأعطى الحياة السياسية في مصر مذاقها الذي استمر منذ بزغ نجم هذا الجيل وحتى اليوم.

وسأبقى معترفًا بأن تجربة جيل السبعينيات كبيرة وثرية، دروسها مفيدة، رغم انتصاراتها المحدودة واخفاقاتها العديدة،

لكن السؤال الذي يلح عليّ منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة حتى اليوم، وقد شارفنا على انتخابات رئاسية جديدة، كان وما يزال هو:

ـ ما الجديد الذي يمكن لهذا الجيل أن يقدمه على صعيد تجديد الحركة السياسية ودفع عجلتها إلى الدوران بدون توقف حتى إحداث التغيير المنشود؟

مع بداية الانتخابات الرئاسية المقبلة سيكون قد مر عشر سنوات على انتخابات 2014، وست سنوات على انتخابات 2018، والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بصدق ومصداقية وبتجرد وموضوعية:

ـ هل تقدمنا ولو خطوة واحدة على الطريق إلى التغيير؟، وماذا قدمنا طوال تلك السنوات العشر غير ما قدمناه طوال تاريخنا السياسي والحركي منذ بدأت أدوارنا الوطنية في صدر شبابنا في السبعينيات حتى اليوم.

قدمنا الكثير من التضحيات، ودفعنا أثمانًا باهظة على الصعيد الفردي والجماعي، وعشنا عصورًا من القهر السياسي غير مسبوق في تجبره وعنفه، لكن ظلت قضية التغيير في مكانها لم تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام.

في 2011 قلنا لم يضع عمرنا هدرًا، رأينا بأعيننا وشاركنا بأرواحنا وأجسادنا وعقولنا وحركتنا في صناعة هذا الحدث الكبير على مدار السنوات العشر السابقة عليه.

كانت 2011 هي ذروة ما يمكن لنا أن نحققه، ومن بعدها سارت المقادير بنا إلى النزول من فوق تلك الذروة لنجد أنفسنا اليوم على سفح أجرد لا زرع فيه ولا ماء، ولا نماء.

**

لست من هواة جلد الذات، ولكني من دعاة مواجهة لنفس بما يجب أن تسمعه.

كنت ـ وما أزال ـ أنحاز إلى أن يبحث من تبقى من هذا الجيل في صدارة المشهد السياسي العام عن واجب الوقت الذي تفرضه عليه أحوالنا الآن.

أعرف كل الأسباب الموضوعية التي أوصلتنا الى هذه الحال، وأعرف كذلك الأسباب الذاتية التي تساندت عليها تلك الأسباب الموضوعية لتكون المحصلة هي ما نعيشه اليوم.

 

وهي أحوال لا تسر، ولا تبشر بدورٍ كبير يُنتظر من هذا الجيل في المدى المنظور، وتمنيت لو أنه خرج من متن العمل السياسي اليومي إلى هوامشه، ويتفرغ لصناعة المتن الأهم له ولمصر وللأجيال المقبلة.

**أ

فضل ما يمكن أن يقدمه جيل السبعينيات الآن احترامًا لتاريخه وتقديرًا لتضحياته: أن يرجع إلى الخلف خطوة، ويدفع جيلًا جديدًا إلى الأمام خطوتين، وأن يترك الفرصة كاملة بصدق وتجرد ومصداقية لهذا الجيل الجديد في العمل السياسي، ويتفرغ السبعينيون لتسجيل تجربتهم النضالية طوال العقود الخمسة الماضية بكل ما فيها من خبرات وانكسارات وبكل ما تحمله من دروس وانتصارات.

خففوا من أحمالكم على الأجيال الجديدة، وافسحوا المجال واسعًا ليخوض جيل جديد تجربته متخففًا من أثقالكم التي كبلتكم، متطلعًا لأن يصنع إضافته الخاصة لمسيرة نضالية طويلة على طريق التغيير.

أعرف أن ما أطلبه صعب، وقد يكون جارحًا لرفاق كثيرين من هذا الجيل، منتشرين على رقعة الحياة السياسية الآنية، من منابع فكرية وسياسية متنوعة،

لكني أُشهدُ الله على صدق نيتي ونبل مقصدي، وكامل محبتي وتقديري لرفاق الحلم والتجربة الطويلة، المثمرة رغم عثراتها، والناجحة برغم معوقاتها.

الرفاق الأعزاء:

لا أطلب من أحد أن يعتزل العمل العام، ولا حتى اعتزال السياسة بمفهومها الواسع، ولكني أتطلع إلى اعتزال المواقع المتقدمة، وإتاحة الفرصة الحقيقية لأن تتصدر أجيال أكثر شبابًا صفوف الحركة السياسية ومواقعها المقرِرة التي ترسم بنفسها ولنفسها الطريق إلى صناعة التغيير.

اعتزال اللاعب يفرضه السن، واعتزال الفنان تفرضه حاجة السوق، واعتزال الشيخوخة يفرضه الزمن، يبقى اعتزال السياسي مرهونًا بولعه باللعبة التي صار أحد مفرداتها لا يستطيع أن ينفك عنها إلا ذو عزم شديد.

وآخر دعواي أن يمُنَّ الله علينا بإدراك أن توقيت اعتزال اللعبة أهم ألف مرة من قرار الاعتزال،

أن يسأل الناس لماذا اعتزلوا خيرٌ من أن يتساءلوا لماذا استمروا؟

*كاتب صحفي 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *