هل نجح الفكر العربي في الحفاظ على هويتنا الثقافية؟

Read Time:4 Minute, 36 Second

بداية لابد أن نفرق بين الفكر العربي والفكر الإسلامي.
أما الفكر الإسلامي فيشمل كل ما يمت بصلة إلى الإسلام وقضاياه سواء قضايا كلامية مثل إثبات وحدانية الله وتنزيهه وصفاته وأدلة وجوده ، كذلك ما دونه فلاسفة الإسلام في مدوناتهم من فكر فلسفي حاولوا خلاله إثبات أصالة الفكر الإسلامي وكيف استفاد منه الجميع ، على الرغم من المحاولات الشرسة التي تعرضوا لها تشويها لفكرهم واضطهادهم والتنكيل بهم من قبل بعض الخلفاء والأمراء ، لكن ظلوا ثابتين على مواقفهم مدافعين عن فكرهم إلا قليلا منهم أصيبوا بحالات من اليأس وانتهى بهم المطاف إلى العزلة والتقوقع حول ذواتهم ، بل منهم من أحرق كتبه بنفسه

كذلك يدخل تحت عباءة الفكر الإسلامي ، الفكر الديني متمثلا في الكتابة عن العلوم الدينية ، كعلم الفقه وأصوله التي تعتمد مبانيهما على القياس والاجتهاد العقلي ، هذا المبدأ الذي بدوره يكسب الفكر الديني حيوية وديناميكية ويتحول به من فكر بعقل فردي إلى تفكير من خلال عقل جمعي، أي يتحول به من وجود بالقوة إلى واقع حي يعالج قضايا حيوية تمس واقعه المعيش كل حسب ظروف عصره (فقه الواقع ، أو ما يسمى فقه الضرورة)، أو ما يسمى بتجديد التفكير الديني.

إذن الفكر الإسلامي هدفه إثبات الذات والحفاظ على الهوية الثقافية الإسلامية .
أما الفكر العربي وأقول الفكر العربي ولم أقل الفكر العربي الإسلامي لماذا لأنه ليس كل عربي مسلم ، وليس كل مسلم عربي.
أما الفكر العربي فينقسم بدوره إلى قسمين ، الفكر العربي الحديث ، والفكر العربي المعاصر ، وإن كان ثمة رابطة تربط بينهما وقاسم مشترك بينهما ، فهما يتقاسا صفة العروبة وإن كان هناك من المستشرقين من ليسوا بعرب ناقشوا قضايا الفكر العربي.

هذه واحدة ، أما الثانية اشتراكهما في الغاية ، فكلاهما غايته واحدة مع اختلاف الرؤي والتصورات والتوجهات والمذاهب الفكرية ، إلا أنهما مسعاهما واحد مناقشة القضايا الفكرية العربية التي تهم الأمة العربية مناقشة جادة ، لماذا ؟! لمحاولة النهوض بالفكر العربي وإقالة عثراته ، ليس هذا وحسب بل ودراسة كل القضايا التي تهم الأمة العربية دراسة دقيقة لإحداث نوع من المواكبة والمسايرة لركب التقدم الحضاري ، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يكون العالم في واد ، وأمتنا العربية في واد آخر.
فلا يليق بحال من الأحوال ، أن يحدث كل هذا التقدم العالمي الملموس، من تقدم حضاري وتقدم تقني وثورة معلومات وفضائيات ونحن متقوقعين حول أنفسنا مشغولين بسفاسف الأمور، بماكلنا ومشربنا وملبسنا، وإن كان لا مندوحة من الإهتمام بهذه الأمور اهتماما لا انشغالا.
فلا يليق بأمة علمت الدنيا كيف تفكر ونحن لا نفكر وإن فكرنا نفكر تفكيرا سطحيا لا يسمن ولا يغني من جوع لا يقود أمة إلى التقدم وإلى المسايرة والمواكبة والمعاصرة.
يقود أمة إلى صحوة كبرى تخلصها من براثن الجهل، الإمعية والتبعية البغيضة، تنهض بشخصيتها مقيلة إياها من الإنسحاق الحضاري، تقيلها من التدني القيمي والأخلاقي.

ومن هنا هب المفكرون العرب مشمرين سواعد الجد للنهوض بالأمة وافاقتها من سباتها، فوجدنا رفاعة الطهطاوي، واهتماماته بالترجمة ونقل تجربة تعليمه في أوروبا لا أقول إلى مصر فقط بل إلى الوطن العربي بأسره، اهتماماته بالغة بقضايا التعليم وخصوصا تعليم المرأة فليس ثم فرق بينها وبين الرجل في التعليم، فبتعليمها تقود أمة داخل أمة،وكتب المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين.

ووجدنا الإمام محمد عبده الذي ناقش أيضا في أعماله الكاملة قضايا تهم الأمة العربية موضحا دور العلم في نهضة الأمم ، منافحا عن الإسلام في كتابه الإسلام دين العلم والمدنية رادا على من يدعي على الإسلام أنه يدعو إلى الرجعية والتخلف ، كذلك وجدناه مدافعا عن العقل رافعا إياه مكانا عليا ، وأنه ليس ثم تعارض بينه وبين النقل ، ظهر ذلك جليا في رسالة التوحيد.
كذلك قراءنا المشاريع الحضارية للإمام جمال الدين الأفغاني ، وكتابه الخاطرات ليس ببعيد عنا ، وحديثه عن الجامعة الإسلامية ، وكيفية النهوض بها لمواكبة العالمية وعدم اكتفاءها بالعلوم الدينية فقط.

بل وحديثه المبدع عن الإجتهاد وضوابطه الشرعية.
ووجدنا عبد الرحمن الكواكبي وحديثه في أم القرى عن إصلاح التعليم والنهوض بالمرأة، وكذلك نظرته إلى الحكام في طبائع الاستبداد، ومحمد فريد وجدي، واسماعيل مظهر، ومحمد رشيد رضا ، كل أولئك كانوا أصحاب مشاريع حضارية عملاقة، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، لكنهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي، أمام الصحوة العالمية فحاولوا المواكبة والمسايرة والمعاصرة دونما إفراط أو تفريط، دونما تخلي عن قيمنا وثوابتنا مع فروق حوهرية، نعم جوهرية بينهم في الاصوات والرؤي، قد يقبلها البعض وقد يرفضها .
لكن الذي ينبغي على الجميع التسليم به أن هؤلاء الأعلام اجتهدوا قدر طاقاتهم ومن ينكر ذلك فهو معاند أو جاحد أو مكابر.
أما في الفكر العربي المعاصر وجدنا العقاد وطه حسين ، وملك حفني ناصف السيدة التي دعت إلى تحرير المرأة لا بخلعها الحجاب المادي، وإنما بخلعها حجاب التخلف والجهل، ودعوتها إلى تعليمها ومشاركتها للرجال في تربية وتهذيب الأبناء ، والأمير اشكيب أرسلان ، ومطاع صفدي ونظرته إلى الحضارة الغربية وكيف نقدها من خلال العقل العربي ، وطه عبد الرحمن ، وجورج طرابيشي الذي كان له موقف من العقل العربي ، أراد له ألا يتقوقع حول ذاته وينطلق إلى آفاق أوسع حتى يصل إلى العالمية ، وكذلك زكي نجيب محمود الذي كتب الوضعية المنطقية وكتب تجديد التفكير الديني واستخراج الحقائق العلمية من القرآن الكريم ، وثقافتنا العربية ، والشرق الفنان ، ومقولته الحضارية التي سيخلدها التاريخ (لا شرق عندنا ولا غرب وإنما الإنسان)، ومحمد عابد الجابري ، ناجي التكريتي وباسل مولود التكريتي ، وحسن حنفي وعاطف العراقي ، ومحمد أبو سعدة.

كل هؤلاء لهم مشاريع حضارية ، وجهتهم واحدة هي النهوض بأمتنا العربية والحفاظ على هويتنا الثقافية ، وسيظل وطننا العربي وأمتنا العربية شامخا شموخ الجبال الرواسي ، أبناؤه معينهم لا ينضب ، فكرهم خصب مستنير ، قد يخبو حين من الدهر ، لكن يعود مضيئا يملأ الكون كله إشراقا واشعاعا.

ويبقى السؤال الفلسفي ، الذي يبقي العقل حائرا مفكرا ومتفكرا ، هل نجح هولاء النشامى في الحفاظ على هويتنا الثقافية من التغريب ، وإذا كانوا قد نجحوا فما الحال التي وصلنا إليها من التشتت والتحزب والتشرزم والانسحاق والتدني القيمي والأخلاقي. ؟!
وإذا لم ينجحوا فمن الذي سيقودنا إلى التنوير والمواكبة والمعاصرة.؟!
ويبقى السؤال، ربما لا أدري ستجيب عنه الأيام المقبلة أم سيظل حائرا.
كل ينقب ويبحث في ذاته ويعرض الأمر على عقله ويستفتي قلبه لعله يجيب الجواب الشافي.

بقلم/د.عادل القليعي
استاذ الفلسفة بجامعة حلوان

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *