الصياد ابن الجنية!!

Read Time:11 Minute, 28 Second

د. احمد مجاهد يكتب :* 

فى ذكرى ميلاده:

(سيد حجاب: الصياد ابن الجنية)

يصلح الإهداء الذى صدر به سيد حجاب الجزء الأول من أعماله الكاملة الصادر عن دار الفكر عام 1987، والذى يضم دواوين: (فى العتمة ـ أصوات ـ نص الطريق)؛ لأن يكون مدخلا متميزا لقرائته، حيث قال فيه: “إلى صلاح جاهين .. وعبد الوهاب البياتى .. والفلاح المصري المجهول الذى أبدع المأثور الشعبى. منه تعلمت أن أخطو على عتبات عالم الأصوات، حيث يختلط مد السحر .. وسحر الشعر”.

أما السبب فى اختياره لصلاح جاهين أولا، فلا يرجع فقط إلى أنه قد بشر بموهبته فى بابه الشهير (شاعر جديد يعجبنى) بمجلة صباح الخير فى 27 يوليو 1961، حيث قال عنه: “سيد حجاب .. تذكروا هذا الاسم، فإنه سيعيش طويلا فى حياتنا المقبلة، وسيكون له شأن عظيم”.

ولا لأنه قد طبع له ديوانه الأول (صياد وجنية) عام 1966 عن دار (ابن عروس) التى أسسها جاهين لنشر دواوين شعراء العامية الشبان المتميزين.

ولكن لأن حجاب كان يرى أن “أول فعل حقيقى، وأول اندماج حقيقى كبير بين الشاعر الفرد وثقافة أمته، كان يتمثل صلاح جاهين”.

فحجاب هو أول شاعر عامية مصرية لم يخرج من عباءة بيرم التونسى، بل كان يرى أن “الشعر الشعبى الوحيد الذى عرفه بيرم فى زمانه هو شعر السيرة الهلالية، لكن ليس لديه خبر عن غناء الساقية والشادوف وغناء الصبايا فى الغيطان، كل ذلك كان بعيدا عن معرفته، ومن ثم حاول تقديم تصوره هو كمثقف لفنون الشعب”.

أما السبب فى اختياره لعبد الوهاب البياتى ثانيا، فلا يرجع فقط إلى أنه قد كتب له كلمة ظهر الغلاف لديوانه الأول، وقال عنه فيها: “إنه من شعراء الطليعة القلائل الذين استطاعوا بكل روعة استخدام لغة الحديث اليومى لتحريك الأشواق إلى عالم جديد، متخطين عقبات الرموز واللغة، حتى كأنك تسمعها لأول مرة.

إن الطبيعة الصامتة، والحزن والكلمات تستحيل فى قصائد هذا الشاعر الموهوب إلى دلالات حية، تنبض بحرارة الخلق وبكارته”.

ولكن لأن حجاب كان صاحب مقولة نقدية عامية خالدة، وهى: “فيه حاجة اسمها شعر، وحاجة اسمها ما شعرش”، وهى أقرب ما تكون إلى مقولة قدامة بن جعفر “الشعر ما أشعرك”. فحجاب لا يهتم هل الشعر مكتوب بالعامية أم بالفصحى، بل يهتم بمدى علاقة نص القصيدة بجوهر الشعرية، ولهذا اختار شاعرا فصيحا لكتابة كلمة ظهر الغلاف فى ديوانه العامى الأول، وقد اختاره شاعرا عربيا إيمانا منه بالقومية العربية.

أما سبب اختياره ثالثا للـ “فلاح المصرى المجهول الذى أبدع المأثور الشعبى”، فذلك لأنه قد تعلم من هذه المأثورات بما فيها من أساطير وحكايات وأغانى وغيرها: “تعلمت أن أخطو على عتبات عالم الأصوات، حيث يختلط مد السحر .. وسحر الشعر”. فدور الأصوات فى عالم سيد حجاب الشعرى هو الدور الأبرز بين شعراء العامية المصرية مصداقا لسحر الكلمة، والذى يتضافر بدوره مع سحر عوالمه العجائبية الشعبية التى برزت واضحة منذ ديوانه الأول.

فقد ولد سيد حجاب فى 23 سبتمبر 1940 بالمطرية دقهلية المطلة على بحيرة المنزلة، وهو يقول عنها: “نشأت فى مدينة للصيادين، وهى عبارة عن شبه جزيرة تحدها المياه من ثلاثة جهات، والناحية الرابعة تفضى إلى باقى مدن وقرى الدقهلية”.

من هنا تشرب سيد حجاب التراث البحراوى الشعبى بكل ما تحمل الكلمة من معانى، وتعهد بأن يرويه لنا:

أنا نص قلبى فى البُحيرة ..

ونص قلبى فى البلد

ويا البنية والولد

وفقلبى، ياما فقلبى، حواديت تتسرد

ولهذا فإن سيد حجاب يروى لنا منذ ديوانه الأول (صياد وجنية) عن جنية البحر، وحكاياتها الخرافية:

والجنية ماشية ع الشطوط بتنوح

ماشية بشعور محلولة لكعوبها

ماشية بقدم حافية وعمّالة

ينقل تراب الشط ديل توبها

تسمع حكاوى البحر وتشوفها

وتروح تقولها ليلاتى لحبيبها

وحبيبها نايم .. فى سريرها قتيل

وسمعتهم بيقولوا فى بلدنا

دى مخلفه منه

رجالة بعددنا

فيحار القارئ هل هى جنية البحر بالفعل؟ أم هى الفلاحة المصرية التى يجرجر ذيل ثوبها الطويل فى التراب وهى تساعد زوجها فى العمل؟ أم هى إيزيس التى أنجبت من زوجها القتيل أوزوريس ابنهما حوريس ليأخذ بثأره؟ أم هى مصر التى أنجبتنا جميعا لنصنع مستقبلها؟ أم أن الشاعر ابن الجنية كان يقصد كل ذلك معا؟!

ولهذا لم يكن غريبا إن يتفرد حجاب بين رواد شعراء العامية باستخدام رموز الصيد والبحر بكثافة عالية وحساسية مشهودة، فهو يقول مثلا فى قصيدة “الشوق” التى كتبها عام 1971، وتظهر فيها الجنية أيضا:

لو الحقيقة لولى مخفى فى القرار

لأدور مع التيار ..

واغربل البحار ..

وأوشوش الودع وافتش المحار

واعس فى المغارة واسأل الجنية، والشبار

أنطّق الموج الضنين

لحد ما يقر لإيديا بسرها الدفين

ويذكرنا قول حجاب (اغربل البحار) فى التراث الشعرى بقول كعب بن زهير عن سعاد التى لا تتمسك بتنفيذ مواعيدها “إلا كما تمسك الماء الغرابيل”، وكأنه لا سبيل للوصول للحقيقة. لكنها يذكرنا أيضا فى تراث الصيادين بصيد (أم الخلول) عن طريق غربلة الرمال أسفل مياه البحر القريبة من الشاطئ، فيعود إلينا الأمل فى الوصل إليها مرة أخرى. ولا مانع لدى حجاب فى عالمه السحرى من (وشوشة الودع) و(سؤال الجنية) حتى يصل إلى لؤلؤة الحقيقة.

وتظهر تأثرات حجاب بالتراث العربى الفصيح فى مواضع كثيرة غير ذلك، ولكن الجديد لديه أنها لا تتوقف عند مستوى الشعر فقط، بل تتجاوزه إلى مستوى النقد أيضا، حيث يقول مثلا:

وحتى لو حبيت أقول

إن النجوم فى المية عايمة .. مسهمة

وإن خطوة ناس بلدنا الطيبين .. متنغمة

وإنهم كلمة محبة فى الهدوم .. متقسمة

ومهما أقول

ما ينتهى لى بحر قول

ده البحر جنبى .. لو أمد إيديا أطول

فها هو يفخر بقوة موهبته الشعرية التى تفوق أقرانه، معتمدا على الحكم النقدى الشهير الذى فضل فيه الأخطل شعر جرير على شعر الفرزدق قائلا: “الفرزدق ينحت فى صخر، وجرير يغرف من بحر”.

فقد بدأ حجاب شاعرا فصيحا، لكنه أحس بأن حاجز اللغة يحول بينه وبين قصائد الصيادين، ثم تأثر بقصص إدريس والشارونى والخميسى التى يكتبون فيها السرد بالفصحى والحوار بالعامية، ففعل كذلك فى قصائده. ثم مع بداية دخول موجة شعر التفعيلة لمصر، يقول: “كنت أقرأ (الرسالة الجديدة) فى عام 1959، وبها التحولات الأولى لعبد الصبور وحجازى وسرور، فكتبت قصيدة التفعيلة العامية”.

ولا شك فى أن تحول حجاب إلى الكتابة بالعامية كان تحولا أيديولوجيا فى المقام الأول، فبعد أن بدأ إخوانيا فصيحا، انتقل إلى مصر الفتاة فزواج بين الفصحى والعامية، ثم أصبح شيوعيا لا يجد طريقا للإبداع الشعرى سوى العامية، حيث يقول فى مطلع قصيدة (تلات أغنيات للشعب):

ملعون يا كل الشعر

لو تتفهم بالخُلف بين الاخوان

ملعون لو أنت ما كنت نور بالليل

وبالنهار ضليلة للجدعان

ملعون لو أنت ما كنت

لمعة فاس .. ولاسة راس

ولو نسيت طرق الزنود الزان

على السندان

لكن المفارقة المفجعة التى صدمت الشاعر هى أن قصائده عالية الشعرية التى ضمها ديوان (صياد وجنية) واستقبلها المثقفون والنقاد بحفاوة بالغة، ووصفوا كاتبها بأنه (لوركا الشعراء العرب) تارة، و(بول إيلوار) أخرى، لم تصل للجمهور الذى كان يستهدفه، حيث يقول: “القراء الذين كتبت الديوان من أجلهم لم يقرؤوه .. آلمنى الأمر كثيرا .. شعرت بأنه من العبث أن تكتب شعرا فى وطن تغمره الأمية .. عندئذ بدأت أتوجه للناس”.

ومن باب الخرافة الشعبية، ربما كان هذا ذنب مولانا بيرم التونسى، فها هو حجاب الذى عاش فى بيئة الصيادين والفلاحين لم يستطع الوصول بقصائده العامية لأهله وعشيرته، بينما وصل بيرم الذى لم يعرف هذه البيئة إليهم بصورة أكبر.

فهل كان يتخيل حجاب مثلا أن قوله العبقرى عن علاقته بأبيه:

أنا والسياف مسرور

(شىء فى ملامحه

بيفكرنى بأبويا ..

سامحه يا رب سامحه ..

سامحنى .. قتلته وأنا ف مهدى ..

فى غيطان قمحه ..

ما قتلتوش .. لأ .. هوه قتلنى بإيده ورمحه

لأ .. ما قتلنيش ..

وأدينى باعيش ..

وارمح رمحه)

هل كان يتخيل حجاب أن هذا الصراع الدرامى الداخلى المتأجج، الممزوج بالأوديبية من ناحية، وبقتل الأب الفنى الذى علمه نظم الفصحى وبحور عروضها من ناحية أخرى، يمكن أن يستوعبه والده الريفى الأزهرى نفسه؟ لا أظن، وإن كان فهو رهان خاسر فى كل حال.

أما من باب النقد الأدبى؛ فيمكننى القول بأن الأيديولوجيا قد أضاعت علينا فرصة التطور الفنى لمبدع كبير بدأ الكتابة من نقطة متقدمة جدا فى مسيرة الشعرية العربية، لأنه قرر الاتجاه إلى المباشرة بعد صدور ديوانه الأول عام 1966، ثم أجبرته الظروف السياسية على الإمعان فى الطريق نفسه بعد هزيمة 1967، ثم وجد ضالته فى كتابة الأغنية خارج الدراما وداخلها، ولم يخلص للقصيد الشعرى الصافى فى رحلته الطويلة بعد ذلك إلا نادرا.

وحتى فى كتابة حجاب للأغنية الدرامية لم يفارق أيديولوجيته، حيث يقول: “حين بدأت كتابة الأغنية الدرامية، كتبتها بحس الشاعر الملتزم سياسيا بالوطن والإنسانية. ومهما كان موضوع الدراما بعيدا فى طرحه عن الواقع الاجتماعى والسياسى، يوفقنى الله فى ربطه بالواقع والسياسة”.

ويمكننا أن نرصد بسهولة اقتباس حجاب لبعض قصائده فى الأغانى لتصل للناس بصورة أكبر فى أكثر من موضع؛ كقوله مثلا فى قصيدة (تقاسيم على القانون):

باتمشى زى نسمة الهوا المصحصحه

وانفد كأنى الضى .. طى مشربية معشقه

بأدوب أنا ف رعشة قانون

وسط الحوارى الضيقه

حيث ينقلنا المقطع السابق فورا إلى تتر نهاية مسلسل (أرابيسك)، وقول حجاب: “ويرفرف الحلم الجميل الحنون/ ويفر ويفرفر فى رفة قانون”.

وكذلك قوله فى قصيدة (3 كوابيس وحلم):

من بين صوابعى البارده بيسيل الزمن

بأنام .. بأموت

الموتة نومة .. والسرير

قبر اتنصب جوه البيوت

حيث ينقلنا المقطع السابق أيضا إلى تتر نهاية مسلسل ليالى الحلمية الذى يقول فيه: “ما تسرسبيش يا سنينا من بين إيدينا/ وما تنتهيش ده أحنا يا دوب ابتدينا”.

وعلى الرغم من هذا كله، فإن لسيد حجاب تأثيرا كبيرا فى حركة الشعر المصرى الحديث بشقيه: العامى والفصيح، على الصغار والكبار.

فعلى مستوى شباب شعراء العامية كان هناك مثلا الشاعر مجدى الجابرى الذى مات شابا، صاحب ديوان (عيل بيصطاد الحواديت)، والذى بدأ شعر العامية من حيث انتهى سيد حجاب فى (صياد وجنية)، وطور فى قصيدة العامية، لكن القدر لم يمهله.

وعلى مستوى شعرائها الكبار، فقد حاوره صلاح جاهين نفسه، حيث قال حجاب فى قصيدة (صور أندلسية) عام 1969، تحت عنوان فرعى (شجرة بان):

الشجرة ..

إللى لوركا نام مقتول فى ضلها

لسه يا ناس ..

بتسقسق الضلة لراس الحرس المثلثة

الشجرة ..

إللى لوركا نام مقتول فى ضلها

الحرس الاسود ح ينتهى، ويتنسى مسا الأسى

وهية باقية للأبد .. محلها!!

وقال جاهين فى قصيدة رثاء (بابلو نيرودا) عام 1973، والتى استدعى فيها شخصية (لوركا):

يلحق بلوركا ويقابله لوركا

هناك فى مستنقع الدماء

يمسح جراحه ويقول له قل لى:

فيه لسه فى الدنيا أدنياء؟

فيه لسه ناس ماسكة بندقية

ومصوباها للأبرياء؟

للحب؟ للحلم؟ للحقيقة؟

للصدق؟ للطهر؟ للنقاء؟

دماء كمال ناصر اللى لسه

طراى وزى العسل صفاء

تنطق تقول: أيوة لسه برضه

الضلمة قادرة على الضياء

وقادرة تقتل بابلو نيرودا

وألف غيره م الشعراء

ففى مقابل رؤية حجاب المتفائلة النادرة التى يرى فيها الشاعر ابن الجنية أن (مسا الأسى حيتنسى)، وأن ظل شجرة لوركا سيمتد ليظلل العالم؛ فإن جاهين يقرر على لسان لوركا نفسه أنه على الرغم من مرور السنين؛ فإن (لسه الضلمة قادرة ع الضياء).

وقد قال حجاب فى قصيدة (القمر) عام 1963:

ما تآخذنيش يا مصر .. قمرك غريب

ما هوش قمر صيادين

وأنا من بلاد الصيادين ابن بحر

ومش قمر فلاحين

وأنا عشت فى بلادهم ميتين ألف شهر

ومش قمر ..

.. يمكن يكون قرش صاغ

ماسح من الوجهين

وأظن أن التشبيه العبقرى المدهش الجديد للقمر من ابن البحر بأنه “قرش صاغ ماسح من الوجهين”، هو الذى استثار الأبنودى ابن الصعيد ليبحث عن تشبيه فذ آخر له فى قصيدة (الخواجة لامبو) فى العام التالى 1964، حيث قال:

يا قمر يا أرغيف بعيد

النهار ده الحد عيد

الغناى ليه مبسوطين؟

والفقير ليه مش سعيد؟

وعندما أقرأ هذا المقطع الرائع من قصيدة حجاب (الكذب) المكتوبة عام 1966:

كانت ضفايرها مرخيه

كانت ستايرها التل بترقص ويانا

واحنا بضحكتنا العريانه

دايبين سوا جوه الناموسيه

كانت ضحكتها بتلولو زى الحيه

(حبّاك)

رقصت شياطين الضحكة فى عينى ..

واتفرطوا نجوم الأفلاك

واتسرسبوا جنب القلة الفاضيه على الشباك

كلمتها على شفتها كانت هايشة زى القش

ما أعرفش ازاى فكرت ساعتها فى الأكفان والنعش!

لا يسعنى إلى أن أتذكر قصيدة صلاح عبد الصبور العبقرية (انتساب) المنشورة فى ديوانه الأخير، وسؤاله الوجودى المدهش بها:

أبغى أن أعرف كيف تكون الرغبة لحظة صحو

وكمال الرغبة لحظة محو؟

ولما لا؟ وقد تزاملا فى كتابة الشعر بمجلة جاليرى 68 الطليعية.

ولا أستطيع أن أقرأ وصف حجاب للفلاحين الزنوج فى أمريكا الجنوبية التى لم يعش بها، بقصيدة (تنويعات على الساكسفون):

مدينة الأسفلت والحديد

باتوه أنا .. بتصبح المدينة غاية

مين يحوش

عنى الديابة والوحوش

أنا وحيد

وسط الضجيج الأعمى والكلاكسونات

من لحظة الولادة للممات

ما اعرفش حد فى البلد دى ..

ما حدش هنا يحب حد

الناس هنا أصفار على الشيكات

هنا الضياع مالهش حد

والغنى مالهش حد

والدنيا للفقارى حاره سد

بمعزل عن تجربة حجازى وقصائده فى مرحلة صدمة المدينة، وبخاصة قصيدة (لا أحد) التى تنتهى بقافية الدال الساكنة أيضا.

كما لا أستطيع أن أقرأ قصيدة حجازى (جيرنيكا أو الساعة الخامسة) والتى يحمل أحد مقاطعها عنوان (لوركا)، ولا يقفز إلى ذهنى قصيدة حجاب عنه (تنويعات على الجيتار) التى يقول فيها:

قتلوك يا لوركا .. فى تمام الخامسه

فى الخامسه الصبحيه .. بس الصبح كان مسا

العالم الممقوت بيقتل دون كيشوت

الساعة الخامسه .. فى تمام الخامسه

يا عنكبوت الموت

يا وردة الدم الندية فى شبابيك البيوت

المستحيل .. لوركا يموت .. أو يتنسى

وقد كان حجاب هو أول من قام فى الشعر العربى بالتناص مع قصيدة لوركا التى كتبها فى وفاة صديقه مصارع الثيران إيناسيو سانشيز، والتى تعد عبارة “الساعة الخامسة” عبارة محورية متكررة بها.

كما أننى لا أستطيع أن أقرأ قصيدة حجاب (وردة زمان الغربة والأحزان)، والتى يقول فى بدايتها:

يا وردة بكريه فى أواخر مواسمى

دلوقت .. وأنا واقف أواجه مصيرى

أنا باسألك: أنت أنا .. ولا غيرى؟

وأنا أنا .. ولا عذابى طوى اسمى

بمعزل عن بداية قصيدة أمل دنقل (الورقة الأخيرة: الجنوبى)، من ديوان (أواق الغرفة 8) الذى كتبه الشاعر بالمستشفى، وهو يواجه مصيره مع المرض الخبيث، حيث يقول:

هل أنا كنت طفلا

أم أن الذى كان طفلا سواى؟

كما أننى لا أستطيع قراءة قول أمل دنقل فى قصيدة (سرحان لا يتسلم مفاتيح القدس) التى نشرها ضمن ديوان (العهد الآتى) عام 1975، حيث يقول:

يصفعنى وجهى المتخفى تحت قناع النفط

من يجرؤ أن يضع الجرس الأول فى عنق القط

ولا أتذكر قول حجاب فى قصيدة (تلات كوابيس .. وحلم) عام 1969:

مين إللى يتجرأ يعلق الجرس

على رقابى العتمه ..

والخوف ..

والخرس؟!!

كذلك لا أستطيع أن أقرأ ديوان (العهد الآتى) كله، ولا أتذكر قصيدة (تكوين) لحجاب التى كتبها عام 1971، ويقول فى مطلعها:

فى البدء ..

كان الكون

وإمكان التفجر المكنون

فقد كان حجاب على علاقة قوية بالتراث المسيحى منذ مولده، حيث نذرت أمه نذرا للسيد البدوى ولمارى جرجس فى ميت دمسيس حتى يأتى المولود ذكرا. وكانت الأناجيل تجاور المصاحف فى منزل والده، كما أنه كان متزوجا فى بداية حياته من سويسرية والدها قس الجالية السويسرية فى مصر، وقد أقام بعض الأيام فى الأديرة.

ولا يعنى كل كلامى السابق القطع بالتأثير والتأثر بين هؤلاء الشعراء الكبار فى تلك الحالات، بل يعنى فى المقام الأول أن حجاب كان ترسا محوريا فى تيار عام يؤسس لشعرية عربية حديثة، وكان يمكن أن يسهم فى دفعها للأمام أكثر وأكثر لولا صدأ الأيديولوجيا.

* رئيس الهيئة العامة للكتاب السابق 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *