جامعة دمنهور تدشن اول جدارية عربية لرواد أدب الطفل
بقلم : د. محمد جمال الدين
لا تبدأ الكلمة من فراغ، ولا ينمو الوجدان البشري في عزلة عن محيطه البصري والمعرفي، كما إن تكوين وعي الطفل ليس مجرد تلقين لغوي، بل هو عملية توطين جمالي يبدأ من الصورة وينتهي بالمفهوم،
وحين يلتقي الفكر الأكاديمي بالفعل الإبداعي، تُبعث الأفكار من مرقدها النظري لتتحول إلى شواهد حية على الجدران، من هنا تأتي جدارية أدباء الطفل بكلية الطفولة المبكرة بجامعة دمنهور، ليس كجرد تاريخي لصور الراحلين والمعاصرين، بل كفعل مقاومة فلسفي ضد النسيان، وإعادة اعتبار لصناع الوعي الأول، بوصفها محاولة لمَأسَسَة الذاكرة، وتحويل الحائط الصامت إلى نص بصري ناطق يعيد صياغة علاقة الطالب/المربي بجذور معرفته.
عاش كاتب أدب الطفل عقوداً من الزمن يعاني مما يمكن تسميته بالفلسفة الظاهراتية بالاغتراب الثقافي، حيث نظر الواقع النخبوي إلى الكتابة للصغار بنظرة دونية، واعتبرها مرتبة ثانية من مراتب الإبداع، متناسين أن تبسيط العقد الفلسفي والقيمي للطفل يتطلب عبقرية تفوق صياغة النص الموجه للبالغين، وجاءت هذه الجدارية، بتنسيق وتكامل بين الكاتب والشاعر الكبير عبده الزراع والأستاذ الدكتور محمود عسران، لتقلب هذا الهرم المعرفي، إذ تمثل صرخة إنصاف تعلن أن “حفنة الصغار” هي في الحقيقة “مستقبل الأمة بأسرها”، كما أن تحويل الجدارية من الصعيد المحلي (مصر) إلى الفضاء القومي (الوطن العربي)، يعكس إدراكاً عميقاً لوحدة الوجدان العربي، فمصر التي قادت صحافة ونقد وأدب الطفل تاريخياً، تفتح ذراعيها اليوم لتضم شتات الصور المبدعة في إطار بصري واحد يتجاوز الحدود الجغرافية ليصنع هوية بصرية مشتركة.
فلسفة الإنجاز: تفاصيل وتكتسب الجدارية قيمتها الفلسفية والعملية من خلال أبعاد ثلاثة تشكلت عبر ديناميكية فريدة وهي، حركية الفكرة وسرعة التجسد، إذ بدأت الفكرة بسؤال استكشافي من الأستاذ الدكتور محمود عسران، إلى الكاتب والشاعر الكبير عبده الزراع، الذي وهب نفسه كراهب لخدمة الطفل وآدابه ومبدعيه، وتحولت الفكرة عبر آلية التضامن الثقافي (مجموعة كتاب أطفال الوطن العربي) إلى ورشة عمل كبرى جمعت أكثر من 170 كاتبًا، وهذا التدفق يثبت أن الأفكار الكبرى تحتاج فقط إلى شرارة الإرادة لتتحول إلى واقع ملموس.
لم تقف الجدارية عند حدود الماضي تكريساً “النوستالجيا”، بل ربطت الرواد بالمعاصرين، لتخلق حواراً صامتاً بين الأجيال، وتشعر الكاتب بأنه امتداد لسلسلة ذهبية من العطاء المستمر، ولعل أعمق ما في هذا الإنجاز أن الجدارية هي مشروع تخرج طلبة الدفعة الحالية 2025/ 2026، وهنا تتحول الفلسفة التعليمية من التلقي السلبي إلى “الإنتاج الجمالي”، فالطلبة هنا لا تدرس أدب الطفل كمنهج جاف، بل تصنعه بيديها، ترمم ملامح مبدعيه، وتتعلم كيف تقدس مهنتها المستقبلية كمربٍ للأجيال.
إن هذا السبق الذي حققته كلية التربية للطفولة المبكرة جامعة دمنهور تحت إشراف الأستاذ الدكتور محمود عسران وبدعم وجهد كبير من الكاتب الكبير عبده الزراع، لا يجب أن يتوقف عند حدود الاحتفاء الإقليمي، إذ إنه يضع كليات الطفولة المبكرة كافة في مصر والوطن العربي أمام مسؤولية تاريخية، وعليه تصبح الدعوة موجهة الآن لتحويل جدران الجامعات من الإسمنت المصمت إلى متاحف مفتوحة للوعي، إذ إن محاكاة هذا النموذج في بقية الجامعات سيعني خلق بيئة بصرية تفاعلية تجعل الطلبة تعيش في رحاب قدوته الفكرية، مما ينعكس إيجاباً على تكوينه النفسي والمعرفي.
في الختام يمكن القول إن جدارية جامعة دمنهور ليست مجرد زينة حائطية، بل هي وثيقة وجودية صاغها طلبة نابغون بروح الشغف، ووجهها أساتذة بوع رسالي، إذ إن “كل مشروع كبير، وراءه فكر عظيم”، وهذه الجدارية بمثابة تجسيد للفكرة الفلسفية القائلة بأن “الأثر لا يموت إذا وجد من يحمله ويثبته في الأرض”، لذا فتحية إجلال لكل يد صممت، ولكل فكر خطط، ولكل كاتب أضاء شمعة في عقل طفل عربي فاستحق أن يُخلد وجهه على جدار المعرفة، والأمل في أن هذه الخطوة الرائدة هي لبنة أولى في جدار المستقبل، والتاريخ لا ينسى من أثثوا عقول أطفاله بالجمال والخير والحق.

Average Rating