النهايات وكفى!!
المهم هي النهايات..
قد يبدأ أحدهم متعثراً، يصطدم بالعقبات والمتاريس، لكنه ينهض وينطلق.
يقول أحدهم، وهو ذو شهرة واسعة في مجاله:
«مرات عديدة كنت أتلقى دعوات متتالية من مدرستي الثانوية التي تخرجت فيها، وكان لديها تقليد محمود بتكريم عدد من خريجيها كل عام.
ونظراً لمشاغلي الحياتية، كنت أعتذر دائماً، فوقتي ثمين، وفي أحيان كثيرة كنت خارج البلاد، محاضراً وضيفاً في أكبر الجامعات، أو على موعد مع برامج في الفضائيات.
وذات مرة قلت: لابد من الحضور فور وصول الدعوة الكريمة.
حان وقت الحفل، وكنت حريصاً على الحضور قبل الموعد بساعة على الأقل، لرؤية زملاء الأمس، وتفحص وجوه الأصدقاء، وماذا فعل الزمن بنا جميعاً.
أربعون عاماً بالتمام والكمال هي المدة الفارقة بين تخرجي وتكريمي.
وعلى باب المدرسة الرئيسي فوجئت بسيارة فارهة، لا يركبها إلا أولاد الذوات. حاولت تفحص قائدها دون جدوى، فزجاجها كفيل بعدم رؤية من بداخلها، علاوة على ارتفاعها.
ومن باب الفضول كان لابد من معرفة صاحبها.. من يكون؟
فقد كنت الأول على دفعتي، ودخلت كلية الطب، وحققت المركز الأول، وعُينت معيداً، ثم مدرساً، فأستاذاً، وها أنا يُشار إليّ بالبنان، ويحرص الجميع على التقرب مني.
تصادف أن ركنت سيارتي بجوار السيارة الفارهة، فإذا به زميلي ((……… ….)).
يا الله… عادت بي الذاكرة إلى الوراء.
إنه من ضربه والده يوم ظهور نتيجة الثانوية العامة بالحذاء!
يومها حزن والدي عليه حزناً شديداً، وتألم الحضور، فقد كان ترتيبه الأخير في كشوف الناجحين، وكان والده يحلم أن يكون طبيباً، وقد خاب أمله.
كانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي أرى فيها من يُضرب بالحذاء.
المهم… اقتربت منه:
ـ أنت فلان؟
قال: نعم.
قلت له: كيف حالك؟ وماذا فعل الله بك؟
قال: دخلت كلية التجارة، وحصلت على المركز الأول، ثم التحقت بأحد البنوك، وسرعان ما انتقلت للعمل في أحد البنوك الأجنبية بمصر، وتدرجت في المناصب حتى أصبحت مسؤولاً كبيراً في المنطقة العربية، وقد خرجت على المعاش منذ عامين تقريباً… والحمد لله.
فسألته: ماذا فعل الله بك؟
فقال:
ـ أعطوني خمسة ملايين دولار أو يزيد مكافأة نهاية خدمة!
ثم سألني عن المكافأة التي حصلت عليها، فأخبرته أنها تقارب ثمانين ألف جنيه.
فتبسم ضاحكاً من قولي، وقال لي:
ـ ربنا معاك…
وهكذا تكون النهايات، لا البدايات.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.»
الشيخ / سعد الفقي
كاتب وباحث

Average Rating