المعاصرة الموسيقية التعبيرية تحصد جائزة البحث العلمى فى شرم الشيخ للمسرح الشبابى
كتبت _ همت مصطفى
أعلن مهرجان شرم الشيخ الدولى للمسرح الشبابى فى مؤتمره الصحفى، والذى عقد بالمجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا المصرية، عن فوز الباحث المصرى محمد جمال الدين بجائزة أبو الحسن سلام للبحث العلمى فى دورتها الثالثة مناصفة، والمقامة ضمن فاعليات المهرجان فى دورته الثامنة، والمزعم أقامتها فى شرم الشيخ فى الفترة من 25 سبتمبر الجارى وحتى 30 من نفس الشهر، وقد تكونت لجنة تحكيم مسابقة البحث العلمى هذا العام من كلا من أ . د / أبو الحسن سلام، أ . د / سيد الإمام، أ . د / سكينة مراد .
تناولت دراسة أساليب المعاصرة الموسيقية التعبيرية عند سيد درويش فى تطور المسرح الغنائي المصرى دخول المسرح العالم العربى فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر الميلادى، ومع بداية القرن العشرين ظهر المسرح الغنائى، بريادة الشيخ (سلامة حجازى) الذى كان يقدم المسرح العالمى معربًا، ويطعمه بالقصائد العربية التى أجاد أداءها، لما تمتع به من صوت حاز الإعجاب، ولكن ألحانه كانت غاية فى التقليدية، إذ اعتمدت على نفس أسلوب الأدوار من التطريب الشكلى وهو ما لا يتفق ولا يتناسب مع الألحان المسرحية، وبمقدم (سيد درويش) تغير كل شئ فى عروض المسرح حينذاك، فقد أحدث تطورًا حقيقيًا وسريعًا فى المسرح الغنائى المصرى، إذ انتقل إلى موضوعات درامية جديدة وأشكال وأساليب موسيقية غير مألوفة، فبينما زاوج (سلامة حجازى) فى ذلك الوقت الشعر العربى بالمسرح الغربى، عبر تقديمه المسرحيات العالمية مترجمة ومعربة، فى شكل درامى غربى بألحان شرقية خالصة، وصار فى نفس هذا الإتجاه جميع ملحنى المسرح الغنائى، ولعل من أشهرهم (داود حسنى) و(كامل الخلعى)، بينما وجد (سيد درويش) فى المسرح الغنائى وسيلة وفرصة ذهبية، للوصول إلى هدفه الذى لم يطمح إليه موسيقى من قبل، وهو التعبير بالموسيقى عن مدلول النص الدرامى والصورة المسرحية .
يرى الباحث أن (سيد درويش) برع عبر ألحانه وموسيقياه المسرحية فى مسرحه الغنائى، فى تشخيص الشخصيات المسرحية بأداء خاص يعبر عن كل شخصية، بحيث يشعر السامع / المشاهد على الفور ليس فقط بالصورة العامة للشخصيات بل بكل وأدق تفاصيلها، وذلك من خلال التعبير باللحن عن الشخصية الدرامية، ليتمكن المتلقى من تخيل صورهم حتى لو لم يشاهدها، ويتصورها فى كافة المواقف كما لو كان يراها، هذه الأساليب والأنواع من الدراما المسرحية الغنائية، لم يكن معروفًا قبل (سيد درويش) .
ويوضح الباحث أن المسرح الغنائى فى (مصر) قد مر بفترتين هما : الفترة الأولى وهى فترة ما قبل (سيد درويش)، وهى الفترة التى سادت فيها مدرسة التنغيم والتطريب فى المسرح الغنائى المصرى، وهذه الفترة جاءت مع بداية القرن العشرين، أما الفترة الثانية وهى فترة (سيد درويش) وما بعده، وهى الفترة التى سادت فيها أساليب المعاصرة الموسيقية التعبيرية، وتطور بفضلها المسرح الغنائى المصرى، إذ طرق (سيد درويش) منهجاً جديداً فى التلحين المسرحى اعتمد فيه أساليب متطورة، كما اهتم بتأصيل النغمات المحلية، ووضع نصب عينيه مسألة هامة وهى أن تعبر الموسيقى عن الدراما المسرحية، بحيث تنطق بأفضل شعور يمكن أن يتولد عند المتلقى، وقد تحرر من أجل ذلك من كل قيود الماضى التى كبلت الدراما الموسيقية فى قوالب جامدة، وأوجد بذلك لأول مرة أساليب المعاصرة الموسيقية التعبيرية فى الدراما المسرحية الغنائية، إذ أن الألحان والموسيقى المسرحية عند (سيد درويش)، وفي حضن العناصر المسرحية الأخرى الداعمة، إنما تشكل عنصرًا هامًا في تنشيط الوعي الدلالي والإدراك الحسي، فهي لا تحيل الأشياء والعناصر إلى ذاتها، بل تفرقها عن ذاتها وتنزع عنها مرجعياتها المعنوية والدلالية، ناقلة كل ما يشاهد ويسمع إلى حيز الفعل الذهني المشارك والخلاق لا إلى الحيز الذهني المتلقي بسلبية وخمول.
يرى الباحث أن بالمزاوجة ما بين الكلمة واللحن، استطاع (سيد درويش) أن يقدم الحوار اللحنى المسرحى فى مسرحه الغنائى، ومن خلاله عبر عن هموم وآمال وطموحات وطنه، وساعد على إيقاظ الروح الوطنية بين المصريين، وذلك بعمق وتأثير نغمات ألحانه داخل أعماله المسرحية على نفوس وأذان المتلقين لفنه، وذلك من خلال الغناء الحواري التعبيرى المسرحى بين أكثر من مطرب، والغناء الجماعي أيضا فى ألحان مسرحية أخرى .
يوضح الباحث أن (سيد درويش) لعب دورًا كبيرًا ومهمًا في تطور وتعاظم المسرح الغنائى المصرى، وبالتالي ظهرت الأغاني متعددة القوالب بشكل أكثر تركيزًا وفاعلية فى الدراما المسرحية، إذ إن موسيقى وألحان المسرح الغنائى عند (سيد درويش) لها قواعدها التي تختلف عن قواعد الأغنية العربية التقليدية، لعل من أهمها ظهور أساليب المعاصرة الموسيقية التعبيرية فى موسيقى وألحان الدراما المسرحية لأول مرة، إذ أن ألحان المسرح الغنائى عند (سيد درويش) لا توضح لملء الفراغات أو للحشو الزائد، وليست أيضا عنصرًا مكملًا أو ثانويًا، وإنما تتعدى وظيفتها كل تلك الحدود، أنها تعمل على خلق شخصيات، وأبعاد معنوية ونفسية، وحالات درامية مسرحية متكاملة العناصر، كما أنها تضفى أبعادًا جديدة مستقلّة ومتفاعلة مع البناء الدرامى العام للعرض المسرحى، تغنيه وتشارك في مساره، بل تصنعه في كثير من الأحيان .
وعليه يرى الباحث أن الموسيقى والألحان فى مسرح (سيد درويش) الغنائى، تستخدم كلغة بعيدة عن المباشرة، وعن تسمية الأشياء بأسمائها، فأصبحت لا تحدد بل تحرر، ولا توجه بل تطلق، ولا تشرح أو تفسر لكنها توحي وتحير، إنها لغة صامتة، لا تقول أي شيء إلا كي تقول كل شيء، كما أن لها دور في تحفيز الذهن والعاطفة، والتحرر من التقييدات المعنوية والتحديدات الدلالية، وتسبح نحو الخيال والبحث والتأويل .
إذن كما ذكر الباحث الموسيقى والألحان فى مسرح (سيد درويش) الغنائى، إنما تشكل عنصرًا هامًا في تنشيط الوعي الدلالي والإدراك الحسي، فهي لا تحيل الأشياء والعناصر إلى ذاتها، بل تفرقها عن ذاتها وتنزع عنها مرجعياتها المعنوية والدلالية، ناقلة كل ما يشاهد ويسمع إلى حيز الفعل الذهني المشارك والخلاق، إنها تفكفك المتحد، وتشكك بالمطلق، وتهدم المسلمات وتخلخل المفاهيم، وتسقط المعاني المعجمية من علياء جمودها، نحو حركية ودينامية خلاقة وشكاكة وباحثة، تفاجيء وتناور وتتقلب وتخلخل وتخون، كل هذا في مسار تسللها إلى ذهن المتلقى ووجدانه.
وعليه يرى الباحث إن الموسيقى والألحان مسرح (سيد درويش) الغنائى، ليست مجرد أداة تجميلية أو تأثيرية في عمل درامي بعيد عن إنشغال الموسيقى والإبداع الفني والجمالي بذاته، بل هى أداة تسقط بظلالها على التشكل المعنوي والدلالي، فهى لا تعلم بل تضلل، ولا تفسر أو تشرح بل تحير وتثير الأسئلة، تشرح الوجود ولا تفسره ولا تقدسه لكنها تعيد خلقه باستمرار .
كما استعرض الباحث أساليب المعاصرة الموسيقية التعبيرية فى مسرح (سيد درويش) الغنائى، لبيان التحولات والتطورات التى أحدثها في المسرح الغنائى المصرى وهى، الإهتمام بالموضوع كمدخل للحوار والتعبير الموسيقى، كما تناول أيضًا ضمن أساليب (سيد درويش) والمعاصرة الموسيقية التعبيرية فى مسرحه الغنائى، الغنـــاء، والتعبيرية فى الموسيقى، والحوار المسرحى والحوار الغنائى، والبناء الدرامى، والتأليف الموسـيقى والبنـــاء الفنى، واستخدام الأوركسترا فى مسرحه الغنائى .
كما توصل الباحث إلى العديد من النتائج جاء من أهمها، أن (سيد درويش) لعب دورًا كبيرًا ومهمًا في تطور وتعاظم المسرح الغنائى المصرى، وبالتالي ظهرت الأغاني متعددة القوالب بشكل أكثر تركيزًا وفاعلية فى الدراما المسرحية، إذ إن موسيقى وألحان المسرح الغنائى عند (سيد درويش) لها قواعدها التي تختلف عن قواعد الأغنية العربية التقليدية، لعل من أهمها ظهور المعاصرة الموسيقية التعبيرية فى موسيقى وألحان الدراما المسرحية لأول مرة .
أيضًا سار (سيد درويش) فى دربًا جديد من دروب التلحين المسرحى، اهتم فيه بتأصيل النغمات المحلية، كى تتوالد من موسيقى ألحانه المسرحية أفضل شعور لدى المتلقى، عن الأحداث الدرامية، وكان هذا من عوامل جماهيرية ألحانه المسرحية وتأثيرها البالغ على النفوس، وشهرته التى وصلت إلى أبعد مدى، وجعلت الفرق المسرحية تتنافس وتتبارى فيما بينها، كى تفوز به ملحنًا لأعمالها
والحوار عند (سيد درويش) حوار الدراما وحوار الموسيقى، ويعتبر (سيد درويش) أول من تناول تلحين (الديالوج) المسرحى، أو بمعنى أخر الحوار الشعرى المسرحى، والذى لم يكن قد ظهر من الأساس قبله، حيث كان أول ديالوج مسرحى يلحن هو(على قد الليل ما يطول) فى أوبريت (العشرة الطيبة)، وهو (ديالوج) لحنه (سيد درويش) من مقام موسيقى يسمى (زنجران)، وهو مقام لم يكن يعرف قبل (سيد درويش)، إذ أن (سيد درويش) هو من ابتكر هذا المقام الموسيقى الجديد واستعمله فى ألحانه المسرحية.

Average Rating