كيف ينام الوزير المقال ليلته الأولى؟!
فى الليلة الأولى بعد الإقالة، لا ينام الوزير السابق بسهولة. السرير واسع، والبيت صامت، لكن رأسه صاخب كقاعة اجتماعات لم تغلق أبوابها بعد. لم تكن الإقالة مفاجأة كاملة، ومع ذلك جاءت كصفعة مؤجلة، كان يتوقعها، يتهيأ لها نفسيا، لكنه لم يتخيل ثقلها الحقيقى إلا عندما أصبح فجأة وحيدا، بلا موكب، بلا سكرتارية، وبلا هاتف لا يكف عن الرنين.
وسط هذا الصمت الثقيل، يتسلل الإحساس الأول: الفراغ. ليس فراغ المكان، بل فراغ المنصب. فالكرسى الذى جلس عليه لسنوات لم يكن مجرد قطعة أثاث، بل ستارا كثيفا أخفى هشاشته، وهوية مستعارة عاش بداخلها حتى نسى ملامحه الحقيقية. والآن، وقد أزيح الستار فجأة، يشعر كمن جرد من قناعه الاجتماعى، وترك عاريا أمام حقيقة لم يرغب يوما فى مواجهتها. يسأل نفسه: من أنا خارج المنصب؟ فلا يجد سوى الصمت.
ومع امتداد الليل، تبدأ الذاكرة فى فضح ما حاول طمسه طويلا. تتوالى القرارات التى لم تكن نابعة من قناعة، والتصريحات “المفزعة” التى صيغت لإرضاء السلطة لا لخدمة المجتمع، والمواقف التى انحنى فيها لأصحاب القرار وهو يقنع نفسه أن الانحناء حنكة ودهاء سياسى. كم مرة برر الانصياع بالواقعية، والتملق بالوطنية، والنفاق بالحكمة؟ كان يعلم فى أعماقه أنه لم يعين لكفاءته، بل لقدرته على السمع والطاعة. لم يكن صانع سياسة، بل أداة تنفيذ. فى تلك الليلة، تسقط هذه الأكاذيب واحدة تلو الأخرى، بلا حاجة إلى محاكمة.
ثم ينتقل تفكيره إلى الناس، فيسأل نفسه: هل كانوا يحترمونه حقا، أم كانوا يخشون المنصب؟ ثم يواجه السؤال الأشد قسوة: هل سيذكره أحد بعد أسابيع، أم سيطوى اسمه كما طويت أسماء كثيرين قبله؟ رغم ذلك، يتسلل إحساس خافت بالراحة. فقد انتهى سباق الإذلال الطوعى، وتوقفت طقوس الإرضاء والولاء اليومية، وهدأ القلق الدائم من مزاج السلطة، وانفضت لعبة التوازنات الدقيقة. لم يعد مطالبا بالدفاع عن قرارات لم يصنعها، ولا بتجميل سياسات لم يؤمن بها يوما. راحة عابرة، لكنها كاشفة: المنصب كان عبئا بقدر ما كان امتيازا.
وقبيل الفجر، يقف أمام المرآة. لا يرى رجل دولة سابقا، بل موظفا عاديا انتهت صلاحيته. يدرك أن الإقالة لم تكن عقوبة بقدر ما كانت كشف حساب متأخرا، ثمن أن تدخل السلطة من بابها الخلفى، وأن تبقى فيها بالتملق، وأن تخرج منها بلا أثر ولا احترام. عندها يفهم أن أسوأ ما فى السقوط ليس فقدان المنصب، بل اكتشاف أنك لم تكن يوما تستحقه.
بقلم/ جلال الشايب

Average Rating