التصرف في أملاك الدولة” (2) ( الجهة الإدارية وأثرها في مشروعية التصرف
الباحث والكاتب –
أسامة شمس الدين : يكتب
لا تقوم مشروعية التصرف في أملاك الدولة الخاصة على صحة الإجراءات وحدها، وإنما تتقدم عليها مسألة جوهرية تتمثل في تحديد الجهة الإدارية المختصة . فغياب الاختصاص ، أو الخروج الجسيم عليه ، كفيل بإهدار القرار الإداري برمته ، مهما استوفى من مظاهر الشكل أو حسن النية . . ومن هذا المنطلق ، جاءت المادة الأولى من القانون رقم 168 لسنة 2025 ، وما يقابلها في اللائحة التنفيذية ، لتضع الإطار الحاكم لمفهوم الجهة صاحبة الولاية ، وتُحدد الأساس القانوني الذي تُبنى عليه مشروعية جميع التصرفات اللاحقة في أملاك الدولة الخاصة . .
وقد حدّدت المادة الأولى من القانون المقصود بالجهة الإدارية المختصة، فنصّت على أنه :
” في تطبيق أحكام هذا القانون ، يُقصد بالجهة الإدارية المختصة : الوزارة أو المحافظة أو الهيئة العامة أو الجهاز التابع للدولة أو غيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة التي لها سلطة الإدارة والاستغلال والتصرف في أملاك الدولة الخاصة الخاضعة لولايتها ”
ويقابل هذا النص ما ورد بالمادة الأولى من اللائحة التنفيذية ، التي وضعت إطارًا تعريفـيًا أكثر تفصيلًا، حيث نصّت على أن :
” يقصد في تطبيق أحكام هذه اللائحة بالكلمات والعبارات التالية المعاني المبينة قرين كل منها . . . ”
ورغم أن هذه المادة قد تبدو للوهلة الأولى ذات طابع تعريفي ، إلا أنها تُعد من أخطر مواد التشريع من حيث الأثر العملي ؛ إذ لا تقتصر على ضبط المصطلحات ، وإنما تُحدِّد على نحو قاطع الجهة صاحبة الاختصاص ، وهو ما ينعكس مباشرة على مشروعية قرار التصرف وجودًا وعدمًا .
ومن المستقر عليه فقهيًا وقضائيًا أن أي تصرف يرد على أملاك الدولة الخاصة ، إذا صدر عن جهة لا تملك الولاية القانونية، يكون معيبًا بعيب عدم الاختصاص . . غير أن الدقة تقتضي التمييز بين عدم الاختصاص الجسيم الذي ينحدر بالقرار إلى حد الانعدام ، وبين عدم الاختصاص البسيط الذي يظل القرار فيه قائمًا إلى أن يُقضى بإلغائه . . فليس كل خروج على قواعد الاختصاص موجبًا للانعدام ، وإنما يقتصر ذلك على الحالات التي تنطوي على اغتصاب سلطة واضح يمس النظام العام الإداري .
ويُلاحظ أن المشرّع في نص المادة الأولى قد انتهج صياغة مرنة ، حين استخدم حرف « أو » في عبارة « الوزارة أو المحافظة أو الهيئة العامة أو الجهاز التابع للدولة . . . » ، دون أن يلجأ إلى أسلوب الحصر ، وهو ما يعكس إدراكه لتعدد صور الولاية الإدارية على أملاك الدولة الخاصة . .
و يتجلى الدور المكمل للائحة التنفيذية ، التي أعادت ضبط المفهوم ، مؤكدة أن المعيار الحاسم في تحديد الجهة الإدارية المختصة لا يتمثل في مجرد الكيان المؤسسي ، وإنما في توافر سلطات الإدارة والاستغلال والتصرف مجتمعة . . غير أن هذا المعيار ، على وجاهته النظرية ، لا يخلو من إشكالات تطبيقية ، إذ توجد في الواقع العملي حالات تمارس فيها جهة ما سلطة الإدارة دون التصرف ، أو الاستغلال بناءً على تفويض ، أو ولاية مشتركة بين أكثر من جهة . . ومن ثم ، يظل تطبيق هذا المعيار مرهونًا بإعمال القواعد العامة للتفويض الإداري وعدم إفراغ النص من مضمونه الوظيفي .
كما تكتسب التعريفات الواردة بشأن « زوائد التنظيم » و « المتخللاتً » أهمية خاصة ، إذ تنهي حالة الغموض التشريعي التي أحاطت بهذه الفئات في ظل قوانين سابقة ، وتُدخلها صراحة في نطاق التقنين . . غير أن هذا الإدخال ينبغي ألا يُفهم على إطلاقه ، بل يجب أن يظل مقيدًا باعتبارات التخطيط العمراني ، وحماية المرافق العامة ، ومنع التحايل في التكييف القانوني للأراضي ، بما يحول دون استخدام هذه المفاهيم كمدخل لتقنين أوضاع لا تتفق مع المصلحة العامة.
ويُضاف إلى ذلك أن إدراج « لجنة استرداد أراضي الدولة » ضمن التعريفات يعكس توجه المشرّع نحو التكامل المؤسسي ، إلا أن هذا التكامل يقتضي تحديد الطبيعة القانونية لقرارات اللجنة ، وبيان مدى إلزاميتها ، وحدودها في مواجهة الجهات الإدارية المختصة ، بما يمنع نشوء تعارض بين قرارات الاسترداد وقرارات التقنين ، ويُخضع الجميع لرقابة القضاء الإداري باعتباره الضامن الأخير للمشروعية.
ومن منظور تطبيقي ، فإن ضبط المفاهيم في مستهل القانون ولائحته التنفيذية يحقق جملة من الأهداف ، من بينها توحيد التطبيق الإداري ، وتقليل فرص الطعن القضائي بسبب الغموض أو الانحراف بالسلطة . . غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل مرهونًا بوجود تفسير إداري موحد ، وآليات واضحة لحسم تنازع الاختصاص ، سواء عبر مجلس الوزراء أو من خلال رقابة القضاء الإداري، مع مراعاة حماية المراكز القانونية المستقرة للمتعاملين حسني النية.
وخلاصة القول ، إن المادة الأولى من القانون رقم 168 لسنة 2025 ولائحته التنفيذية تمثلان نقطة الانطلاق الحقيقية لتطبيق أحكامه ، إلا أن فعالية هذا الإطار التشريعي لا تتحقق بمجرد النص ، بل بحسن تفسيره وتطبيقه . . فكل تصرف في أملاك الدولة الخاصة لا يستند إلى جهة مختصة بالمعنى الوظيفي الذي قرره المشرّع يظل مهددًا بعدم المشروعية ، الأمر الذي يجعل ضبط مفهوم الجهة الإدارية المختصة ضمانة أساسية لحماية المال العام ، واستقرار المعاملات ، وتحقيق التوازن بين متطلبات التقنين وسيادة القانون.

Average Rating