الإمارات .. خيبة أمل عربية!!

Read Time:1 Minute, 53 Second

بحكم عملي الصحفي في جريدة البيان، أتيح لي التعامل المباشر مع حكّام إمارتي الشارقة ودبي في مرحلة مبكرة من تشكّل التجربة الإماراتية الحديثة.

ما كان لافتًا آنذاك لم يكن فقط مستوى التواضع الإنساني في السلوك، بل ذلك الإحساس الواضح بالعروبة بوصفها إطارًا للانتماء السياسي والثقافي، لا مجرد خطاب للاستهلاك العام.

كانت العلاقة بين الحاكم وبيئته العربية تقوم على القرب، وعلى إدراكٍ لدور يتجاوز الحسابات الضيقة للدولة الناشئة.

هذه الشهادة لا تُستدعى من باب النوستالجيا، بل لأنها تمثّل معيارًا للمقارنة. فما شهدته الإمارات خلال العشرين سنة الأخيرة لا يمكن فهمه بوصفه انعكاسًا تلقائيًا لتحولات العالم وحدها.

صحيح أن النظام الدولي تبدّل، وأن مفاهيم السيادة والتحالف والمصلحة أعيد تعريفها، لكن ما جرى يتجاوز التكيّف إلى إعادة التموضع إلى جانب العدو التاريخي للعرب، ويتجاوز البراجماتية الفجة إلى القطيعة مع جزء معتبر من الإرث السياسي الذي صاغ صورة الدولة في محيطها العربي.

وليس من المبالغة القول إن هذا التحول أنتج، لدى قطاعات واسعة من النخب العربية، شعورًا بالخيبة، لا مصدره العداء، بل خيبة التوقّع.

التحول الأبرز لم يكن في الأدوات، بل في الفلسفة الحاكمة. من دولة سعت، في بداياتها، إلى تثبيت شرعيتها العربية عبر القرب والمساندة والتوازن، إلى دولة باتت تنظر إلى الإقليم بوصفه ساحة إدارة مصالح، لا فضاء انتماء.

هنا تحديدًا يصبح السؤال سياسيًا لا أخلاقيًا: هل كان هذا التحول ضرورة فرضها الواقع، أم خيارًا واعيًا أعاد تعريف الدور والوظيفة؟

أستعيد تلك المرحلة التي كنت أكتب فيها افتتاحيات الجريدة منوّهًا بهذه السمات، لا بوصفها فضائل شخصية لحكام، بل كسياسة عامة تنعكس في الخطاب والممارسة.

اليوم، جرى تغييب ذلك النموذج، وحلّ محله نمط مختلف من الحضور الإقليمي، أكثر حدة، أقل حساسية للروابط التاريخية، وأشد التصاقًا بمخططات إعادة هندسة المنطقة على مقاس وأهداف نتنياهو.

العالم تغيّر، نعم، لكن التحولات الكبرى لا تُقاس بتغيّر العالم وحده، بل بكيفية استجابة الدول له.

وفي الحالة الإماراتية، لا تبدو خيبة الأمل موقفًا عاطفيًا أو انطباعًا عابرًا، بقدر ما هي حصيلة مسار سياسي أعاد تعريف الدور على نحوٍ أضعف الرصيد العربي الذي راكمته الدولة في سنوات التأسيس، ووسّع المسافة بينها وبين تلك اللحظة التي كانت فيها أقرب إلى محيطها، وأبعد عن الطموح الذي حكم رؤية الجيل الذي صنع لها مكانتها واحترامها العربي المبكر.

بقلم / محمد حماد 

كاتب صحفي 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *