انا مثلك تماما.. جاهل جداً!!
أقصى ما يفعله المثقف !
من الأدباء المصريين الذين يستحقون أن نعيد النظر مرارا في تجربتهم والتعلم منها وفهم دروسهم الأديب الكبير يوسف إدريس.
وأود أن أنوه في البداية أنني أكتب هذه السطور هربا من الجغرافيا الثقيلة، أي أنني أمارس هواية، فلا تأخذ كلامي أيها القارئ العزيز كمرجع أو مصدر..أنا مثلك تماما.
سأسمح لنفسي بالتفريق بين اثنين يوسف إدريس: الثوري المتقد في المرحلة الأولى والقريب من السلطة منزوع الثورية في المرحلة الثانية.
لم يكن إدريس قريبا من السلطة بمعنى النفاق الساذج الذي نعرفه في هذه الأيام، بل كان قريبا من مزايا السلطة وامتيازاتها من راتب مريح وأسفار فاخرة على نفقة الدولة في مؤتمرات وندوات وفعاليات في بلدان الشرق والغرب.
لم يكن سهلا على يوسف إدريس أن ينسى تأسيسه العقلي الناقد الثوري في الشباب لكن لم يكن سهلا أيضا أن يفرط في الحياة المريحة قرب السلطة.
انظر مثلا إلى كتابه “أنا سلطان قانون الوجود” الصادر عام 1980 والذي في ظاهرة يرصد حادثة مصرع مدرب الأسود محمد الحلو.
في هذا العمل يسخر يوسف إدريس من جمهور السيرك، ولعله يشفق عليه. يرى إدريس أن هذا الجمهور مترهل وبائس ويعاني الشيخوخة ومنطفئ!
قد تنخدع وتعتقد أن الجمهور المصري بائس ومترهل ومنطفئ لأن تاريخ نشر الكتاب في عام 1980 لكن الحقيقة أن هذه الحادثة وقعت في عام 1972.
بأثر رجعي يقول يوسف إدريس في عام 1980 إن المجتمع شاخ وترهل وانطفأ في عام 1972 !
هذا أقصى ما يفعله المثقف المستريح..ان يصب غضبه على المجتمع.
ولعل الذين تدبروا جمال حمدان حقا – ولم يتشدقوا فقط باسمه – يعرفون أن ذلك الراهب الذي تغنى بعبقرية مصر قال في سطور وضاءة في لحظات الضعف في آخر صفحات شخصية مصر”وقد يقع المثقف المحب لوطنه في أزمة أن يصب غضبه على الشعب بدلا من السلطة فيقول ” إن هذا الشعب يستحق جلاديه!”
دعونا نبقى مع يوسف إدريس ونرجئ تحليل جمال حمدان العظيم إلى مناسبات مقبلة.
هل كان يوسف إدريس ناقدا اجتماعيا فقط في الثمانينيات وهل كان المجتمع مترهل ومنطفئ في عام 1980 ؟
للإجابة على ذلك نعود إلى عمل آخر بالغ الدلالة وهو “الفرافير”.
الفرافير عمل قديم ليوسف إدريس من مرحلة التألق والحس الثوري، ظهر للنور في عام 1964.
في هذه المسرحية، اخترع يوسف إدريس شخصية الفرفور الذي يحدثنا عن هموم المجتمع المصري. ألبس يوسف إدريس الفرفور أفكاره، وأنطقه تساؤلات تلك المرحلة من ستينيات القرن العشرين وتخفى خلفه.
يقول إدريس في صفحة 31 من المقدمة الطويلة التي كتبها للمسرحية:
” فرفور أو زرزور مثال صادق للبطل الروائي المصري، الحدق، الذكي، الساخر، الذي يحوي داخل نفسه كل قدرات “علي الزيبق” وكل مواهب “حمزة البهلوان”. فرفور هو ذلك الإنسان الساخر بسليقته وبطبعه، ذلك الذي لا يتصيد الانفعال ولا يدعي ما ليس فيه.
إن فرفور مضحك ومهرج وحكيم وفيلسوف في نفس الوقت. وعلى أمثال هذا النوع من الناس كان يعتمد التمثيل، زمان، قبل أن يعي الناس بحقيقة التمثيل وأن اسمه مسرح، وحقيقة الممثلين.. زمان حين كان الجمهور يدفع بفرافيره إلى الحلبة ويلتهب سعادة وحماسا وضحكا لكل ما يقولون، فالفرافير دائما لهم وجهة نظر جديدة وأًصيلة وغريبة”.
في هذه المسرحية يسخر يوسف إدريس من المجتمع المصري، ليس بلسان ناقد مفكر وأديب يسهل على الناس الهجوم عليه سياسيا واجتماعيا وفنيا، بل حمـَّــل فرفور كل مسؤولية الأفكار نيابة عن إدريس.
يقول فرفور في أحد مشاهد المسرحية: روبابيكيا…روبابيكيا…، كل حاجة قديمة للبيع، مجد قديم للبيع، عَظَمة قديمة للبيع، مدافع قديمة للبيع !
إن تجربة يوسف إدريس لم تأخذ حقها من التحقيق والتدبر، وفي ظني أن فهم البدايات والمسارات والنهايات ستكون مفيدة للغاية في التعرف على دور المثقف الأديب وأقصى حدوده.
في نهاية سنوات يوسف إدريس سيشن هجوما على السادات وكامب ديفيد، وسينشر كتابه القاسي في بيروت بعيدا عن مصر، وبعد اغتيال السادات سيرحب نظام حسني مبارك الجديد بيوسف إدريس، وسيطلب المذيع من يوسف إدريس ثمن المقابلة والعودة. قال يوسف إدريس كلاما طيبا جميلا عن التفاؤل الكبير بعهد مبارك.
كان يوسف إدريس قد بلغ من الحكمة والتجارب والهدوء.كانت قد مرت سنوات طويلة على اعقتاله شابا بعد التخرج من كلية الطب، كانت فترات السجن وامضة كاشفة ثقيلة ملهمة مؤلمة، كتب بعدها أعمالا لا تنسى.
إن رحلة يوسف إدريس وأسلوبه في تحليل المجتمع المصري تعبر عن نفسه، وعن تجربته، وعن طموحاته الشخصية، ولكنها أيضا تعبر عن بعض قواسم مشتركة في اكتشاف الحدود والأسقف المنخفضة التي يعيش فيها أي مثقف مصري.
ليس عيبا أن يغير المثقف توجهاته وقناعاته ..العيب ألا تكون هناك أصلا ثقافة وفكر وأدب وتجارب !
صديقي العزيز قارئ هذه السطور، لقد نوهتك في البداية أنني أكتب هذه السطور هربا من الجغرافيا الثقيلة، أي أنني أمارس هواية، فلا تأخذ كلامي مرجعا..أنا مثلك تماما…جاهل جدا !.
بقلم د. عاطف معتمد
استاذ الجغرافيا

Average Rating