تمهيد قبل فتح الصندوق الأسود .. قراءة في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري
د. أيمن منصور ندا يكتب :
تمهيد قبل فتح الصندوق الأسود
في الأمثال الغربية يقولون: “الجمل حصان صممته لجنة”؛ أي أنَّ كثرة الأيدي، إذا غابت الرؤية، لا تصنع كائناً مكتملاً، بل كائناً مرتبكاً. وفي أمثالنا العربية نقول عن الإخفاق الكبير: “خيبة أمل راكبة جمل “. وقد اجتمع المثلان، الغربي والعربي، كاملين في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري: لجنة أرادت أن تصمّم حصانًا للإصلاح، تدخل به سباقات الجري، فأخرجت جملاً بيروقراطياً ضخماً، مثقلاً بالتوصيات، بطيئاً في الحركة، مرتبكاً في الاتجاه، يعرف صحراء الأزمة الإعلامية أكثر مما يعرف طريق الخروج منها.
تمخضت اللجنة التي شكلها رئيس مجلس الوزراء (أكتوبر 2025) برئاسة المهندس خالد عبد العزيز رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وعضوية 66 من أكابر الإعلاميين المصريين وأكثرهم كفاءة، فأنتجت تقريراً ميتاً (فبراير 2026).. وفي رأيي، فإنَّ مشكلة التقرير ليست في أنه لم يُبذَل فيه الجهد الكافي، ولا في أنَّه خالٍ من الأفكار، ولا في أنَّه لا يرى شيئاً مما حدث للإعلام المصري خلال السنوات الأخيرة. على العكس تماماً، فهذا تقرير مليء بالأفكار الجيدة، وبه اعترافات غير مسبوقة، وفيه إقرار بواقع طالما تم إنكاره، ومعاقبة من يصرح به! ولعلَّ ما سبق، تحديداً، هو وجه الخطورة فيه. يرى التقرير المشكلة بوضوح، ويلمس مواضع الألم بدقة، ويعترف بصراحة بأنَّ شيئاً عميقاً قد انكسر: الثقة، والتأثير، والمصداقية، وعلاقة الإعلام بالجمهور، وقدرة المؤسسات على الإقناع! لكنَّه كلما اقترب من باب الحقيقة، تصرَّف كما لو أنَّ مهمته ليست فتح الباب، بل تحسين الإضاءة في الممر المؤدي إليه. ولذا، يمكننا القول: إنَّه قد نجحت عملية ولادة التقرير، ومات الوليد (التقرير)، أو على أحسن الأحوال، وُلِد مشوَّهاً يعاني عيوباً خلقية عديدة.
هذا التقرير لا يكذب بالضرورة. والكذب الصريح، على قبحه، أهون أحياناً من نصف الحقيقة. الكذب يمكن مطاردته، وكشفه، برقم، أو واقعة، أو شاهد، أما نصف الحقيقة فيحتاج إلى جهد أكبر؛ لأنَّه لا ينكر الأزمة، بل يعيد ترتيبها بطريقة تجعلها أقل إزعاجاً. يضع التقرير الجرح على الطاولة، ثم يغطيه بالشاش الأبيض! يكتب عن الألم، لكنه يتحاشى تسمية اليد التي ضغطت عليه! يعترف بأنَّ هناك مشكلة، ثم يقترح علاجاً لا يجرح أحداً ممن صنعوها! ولذا، فإنَّ انطباعي العام عن هذا التقرير أنه تقرير مراوغ ومخادع.
ومن هنا جاء إحساسي الأساسي تجاهه: عدم الاطمئنان؛ لأنَّه وثيقة تعرف أكثر مما تقول، وتلمِّح أكثر مما تصرِّح، وتقترب أكثر مما تقتحم. هو تقرير لا يمكن تجاهله، لأنَّه مهم، ولا يمكن ابتلاعه، لأنَّه ناقص الشجاعة. في التقرير لغة حديثة، وأفكار صحيحة، ومفردات براقة: التحول الرقمي، الذكاء الاصطناعي، الحوكمة، التمويل، التدريب، المنصات، قياس الجمهور، مكافحة التضليل، لكنَّه يتعامل معها بنفس العقلية القديمة. هو تقرير يستخدم قاموس المستقبل ومفرداته ومصطلحاته لكي يعيد إنتاج عقل الماضي. وهو تقرير يملك لغة الإصلاح، لكنَّه لا يملك شجاعة الإصلاح، يعرف الطريق إلى الأسئلة الصعبة، لكنَّه يفضّل أن يقف قبلها بخطوة؛ كأنَّ مهمته ليست فتح الصندوق الأسود، بل تحسين طريقة وضعه على الطاولة.
وفي اعتقادي، فإنَّ القراءة المجاملة لهذا التقرير المهم ستكون خيانة له قبل أن تكون خيانة للناس؛ فالتقرير الذي يعترف بوجود أزمة ثقة، وتراجع تأثير، وقيود، واحتكار، وضعف محتوى، وارتباك اقتصادي ورقمي، لا يجوز أن يُعامل كإنجاز في حدِّ ذاته، فالاعتراف بالأزمة ليس نهاية الطريق، بل بدايته. والسؤال الحقيقي ليس: هل قال التقرير إنَّ هناك أزمة واعترف بوجودها؟ بل: هل امتلك الشجاعة الكافية ليقول لماذا حدثت؟ ومن صنعها؟ ومن صمت عليها؟ ومن استفاد من استمرارها؟ ومن يملك سلطة إصلاحها أو سيدفع ثمنه؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي المهم، والأهم منها هو كيفية التعامل مع الاعتراف، وطريقة التفاعل مع متطلباته.
هذه القراءة، إذاً، ليست رفضاً مسبقاً للتقرير، ولا تقليلاً من جهد من شاركوا فيه، ولا خصومة مع فكرة التطوير نفسها، على العكس من ذلك، نعيد اعترافنا بالجهد المبذول، وبإخلاص المشاركين فيه. ولكن منذ متى كانت الأعمال، في غير الدين، تُقاس بالنيات الطيبة؟! إن الإعلام المصري لم يعد ينقصه كلام ناعم، ولا لجان واسعة، ولا صور تذكارية، ولا عبارات منمقة عن المستقبل، ما ينقصه هو أن نضع أيدينا على موضع الألم دون أن نخاف من اسم المرض.
والسؤال الذي يسبق كلَّ التفاصيل: هل نريد إعلاماً حراً، قادراً على أن يرى ويسأل ويزعج ويصحح، فيخدم المجتمع والدولة معاً؟ أم نريد إعلاماً أكثر كفاءة في أداء الدور القديم نفسه، لكن بأدوات أحدث، وعبارات ألطف، ومنصات أكثر لمعاناً؟ هذا التقرير، كما أراه، يقف في منتصف الطريق بين الاحتمالين: يعرف أنَّ الطريق القديم انتهى، لكنَّه لا يملك شجاعة مغادرته كاملاً! ويرى أنَّ البيت يحتاج إلى هدم بعض الجدران، لكنَّه لا يزال يتحدث عن تغيير الستائر! ويريد أن يفتح نافذة، لكنَّه لا يزال ممسكاً بالمفتاح بيد مرتعشة! هذا التناقض البنيوي هو ما جعل التقرير يلتهم أهدافه بنفسه!
هذه السلسلة من المقالات هي قراءة تفصيلية للتقرير: منهجياً، ونظرياً، وتطبيقياً.. وهي محاولة جادة وصريحة لفتح ما حاول التقرير مواربته أو إخفاءه، وطرح الأسئلة التي اقترب منها ثم تراجع قبل أن يسميها.. لا أكثر، ولا أقل.
وتتكون هذه السلسلة من اثني عشر جزءاً (بما فيها التمهيد)، وذلك على النحو التالي:
الجزء الأول: تمهيد قبل فتح الصندوق.
الجزء الثاني: لجنة من رحم المشكلة؛ عن عوار التشكيل قبل عوار التقرير.
الجزء الثالث: هيئات مستقلة تنتظر إذن السلطة التنفيذية؛ عن رؤساء كان عليهم أن يستقيلوا لا أن يحتفلوا بالتقرير.
الجزء الرابع: علاج السيطرة بمزيد من السيطرة؛ عن تقرير يريد تحرير الإعلام بالخيوط نفسها التي قيدته.
الجزء الخامس: التقرير الذي عرف الأعراض وخاف من اسم المرض؛ عن الفيل الجالس في غرفة الإعلام المصري.
الجزء السادس: خريطة الطريق التي لا تعرف الطرق؛ عن تقرير يخلط بين قائمة الرغبات ووثيقة الإصلاح.
الجزء السابع: تمويل السفينة المثقوبة؛ عن المال الذي لا يسد ثقب الثقة.
الجزء الثامن: التحول الرقمي؛ تحديث القفص لا فنح الباب؛ عن السحابة الوطنية والمنصات والذكاء الاصطناعي وخرافة الحل التقني.
الجزء التاسع: عن الكوادر التي تُدَّرب ولا تُحمَى، والقيادات التي تُختَار ولا تُحَاسَب.
الجزء العاشر: الجمهور الذي خرج من القاعة؛ عن تقرير يريد استعادة الناس دون أن يسأل لماذا غادروا.
الجزء الحادي عشر: حين تتعارك التوصيات؛ عن تناقضات تقرير يريد كل شيء ونقيضه.
الجزء الثاني عشر: ما بعد التقرير؛ إصلاح الإعلام أم تدوير الأزمة؟

Average Rating