جدلية العلاقة بين الفقه والتصوف!
د. عادل القليعي يكتب:*
هل ثمة علاقة بين الفقه والتصوف ، أيهما في حاجة إلى الآخر .
هل طريقهما ومسلكهما واحد ، هل غايتهما ومبتغاهما واحد ، أم كل منهما طريق مختلف عن الآخر ، هل كل فقيه متصوف ، أم كل متصوف فقيه.؟!
تلك أسئلة مشروعة يبدو ظاهرها أنها واضحة بذاتها وبسيطة ، لكن لو تعمقنا المسألة ودققنا النظر لوجدنا أن المسألة جد صعبة ، لماذا؟!، لأن الذي يقدم على الكتابة في مثل هذا الموضوع لابد أن يكون على دراية على الأقل حتى بتعريف الفقه والتصوف.؟!
بداية عندما سئل الإمام مالك الذي قيل في حقه (لا يفتى ومالك فى المدنية)، عندما سئل عن رأيه في مسألة فقهية ، كانت إجابته غريبة ، وغرابتها ، لأن الجميع يعرف من هو مالك وفقه مالك ، قال اسألوا عنها الحسن البصري ، قال كيف وأنت إمام الدين ، قال لقد حفظنا ونسينا أما البصري فحقظ ولم ينسى.
وتأويل ذلك أن الإمام الزاهد المحب الحسن البصري كان متصوفا وفقيها ، وله نظريات فى الحب الإلهي استقى أصولها من الفقه خصوصا عندما تفقه قوله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)فعلم أن الفقه إعمال للعقل والعقل يقوم على القياس والقياس يتكون من مقدمتين إحداهما كبرى والأخرى صغرى ، نصل من خلالهما إلى نتيجة فالكبرى حب الله ، الصغرى الاتباع ، النتيجة محبة الله ، ومحبة الله لا تتحقق إلا بالاتباع لا بالابتداع.
فالتصوف الحقيقي هو الذي يقوم على الكتاب والسنة ، اتباع ما يقوله الله تعالى معضدا بسنة نبيه صل الله عليه وسلم ، أما الخزعبلات والشعبذة فهذه لا محل لها من الإعراب لا فى الفقه ولا في التصوف.
هكذا الأمر بالنسبة لرابعة العدوية التي كانت زاهدة قوامة صوامة والتي كانت لها اجتهادات فقهية فى الجهاد ، فكان يلتف حولها مريدوها ومحبوها ، وكانت تشرح لهم فقه العبادات ، وعندما نادى مناد الجهاد شرحت لهم فقه الجهاد وحثت اتباعها على حمل السيف والجهاد في سبيل الله تعالى.
ليس هذا وحسب فوجدنا سفيان الثوري فقيها ، والحارث المحاسبي وأبو سليمان الداراني وأبو سعيد الخراز جميعهم كانوا أهل فقه لماذا ، تفقهوا وعندما تفقهوا فطنوا وعندنا فطنوا عملوا ، وخير دليل على ذلك ما قاله معروف الكرخي عندما عرف التصوف ، فقال التصوف هو الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق ، فمن يأخذ بحقائق الكتاب والسنة ، حتما سييئس مما في أيدي الخلائق ، وكيف السبيل إلى أخذ هذه الوحقائق ، السبيل يكون في دراسة علم الفقه وأصوله ، الذي هو فى حقيقية أمره استنباط حكم مجهول من حكم معلوم ، وما التصوف في حقيقة أمره إلا كشف مجهول من معلوم ، المعلوم العبادات والمعاملات والطهارات والبيوع وغيرها هذه أمور معلومة أما تعمقها وتوظيفها للكشف عن مجهولها فهو جوهر وروح التصوف الخالص ، القائم على الكتاب والسنة الذي لا يسقط التكاليف ، فالفقه يقدم لنا كيفيات وآليات التخلي ، وكذلك آليات التحلي ، ثم يأتي التجلي.
وهذا ما عبر عنه الإمام الفقيه المتصوف ، عندما شرح حديث لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه…
، وقد وضح ذلك الإمام الغزالي في كتابه الاحياء ، وميزان العمل والاقتصاد فى الاعتقاد والمستصفى.
يقول الدكتور محمود قاسم في كتابه دراسات فى الفلسفة الإسلامية (التمييز بينهما اعتباري ولا خلاف بين العلمين فى الحقيقة ، فأحدهما وهو علم الباطن ثمرة للآخر وهو علم الظاهر) ص 342.
ويقول ابن خلدون في مقدمته (وصار علم الشريعة على صنفين ، صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا ، وهو الأحكام العامة فى العبادات والعادات والمعاملات ، وصنف مخصوص بالقوم من الصوفية فى القيام بهذه المجاهدات.) المقدمة ص329.
وقد فرق بينهما الإمام الطوسي صاحب كتاب اللمع قائلا: (إن علوم الصوفية لا حدود لها ، على حين أن علوم الفقهاء محدودة لأنها علوم رسوم)ص27.
وهذا يعني أن الفقهاء دونوا ما استخلصوه من الكتاب والسنة واودعوها كتبهم.
أما كتب الصوفية فدونوا فيها مكاشفاتهم ومواجدهم التي انتهوا إليها عن طريق الكتاب والسنة.
أما رأينا فى هذا الأمر فثم فرق بين فقه الفقهاء وتصوف المتصوفة ، ذلك أن أن الفقه علم الأحكام الظاهرة للعبادات والمعاملات ، على حين أن التصوف هو علم المواجيد القلبية والرياضات والأحكام الباطنية.فالفقه سمي بعلم الظاهر ، والتصوف علم الباطن.
ونزيد الأمر وضوحا أن الفقه يوضح معالم الطريق للمتصوف عن طريق الطاعات والعبادات والأحكام ، فالصوفي الحق إذا عرف كل هذه الأمور وجب عليه الإلتزام بها وهذه الأمور إذا أحسن فيها الإنسان قادته إلى الطاعة الربانية.
إلا أن الصوفية تميزوا على غيرهم من علماء الدين بعلم آخر خاص بهم ، هو علم الوراثة ، وهذا يعني أن علوم الوراثة مستخرجة من علوم الدراسة “الفقه وغيره من العلوم النقلية والعقلية ، إذ لو لم يكن هناك لبن فلن يكون هناك زبد. فلو لم تكن هناك علوم دراسية لما كانت هناك علوم وراثية.
وهذا يعني أن علوم الصوفية اشتركت مع علوم غيرهم فى المرتبة الأولى مرتبة علم اليقين وامتازت بمرتبتين إحداهما مرتبة عين اليقين وهو ما تعطيه المشاهدة والكشف ، والأخرى مرتبة حق اليقين والبقاء بالله ومع الله.
فالفقه شارح والتصوف كاشف.
الفقه إعمال للعقل ، التصوف إحياء للقلب.
*أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان

Average Rating