“المؤتمر العلمي الثالث لأدب الطفل العربي” يحتفي بالعالم الجزائري العيد جلولي
كتب : محمد جمال الدين
في غمرة التحولات السيبرانية المتسارعة التي تعيد تشكيل وعي الإنسان المعاصر، وتفرض أسئلة وجودية وفلسفية ملحة حول هوية الطفل العربي ومستقبل خياله في عصر الذكاء الاصطناعي والميتافيرس، ينطلق “المؤتمر العلمي الثالث لأدب الطفل العربي” ليمثل منارة فكرية تسعى إلى تفكيك هذه الراهنية المعقدة، والبحث عن الجذور الأصيلة والهويات الثقافية المتجددة، إذ إن النص الموجه للطفل لم يعد مجرد حكاية تُروى، بل غدا بنية تربوية وسيبرانية قادرة على مجابهة التحيزات الثقافية الوافدة، وإعادة صياغة الوجدان الإنساني وفق قيم الحق والجمال، في توازن دقيق بين أصالة التراث وآفاق المستقبل الرقمي، وتأكيداً على قيمة الوفاء المعرفي والامتداد الحضاري بين أجيال المبدعين، أعلنت اللجنة العليا للمؤتمر عن قائمة تكريمات هذه الدورة الاستثنائية، لتقود حواراً معرفياً رصيناً يربط المشرق بالمغرب العربي.
يقيم هذا المؤتمر نادي القصة بالقاهرة برئاسة الكاتب الكبير محمد السيد عيد، بالتعاون المثمر والمشترك مع المجلس الأعلى للثقافة بقيادة أمينه العام الدكتور أشرف العزازي، وينطلق المؤتمر هذا العام تحت قيادة الشاعر والكاتب الكبير عبده الزراع (أمين عام المؤتمر وسكرتير عام نادي القصة)، وبرئاسة الشاعر الكبير أحمد سويلم، فيما يتولى الأستاذ الدكتور محمود عسران رئاسة لجنة التحكيم لضبط مسارات التقييم البحثي والأكاديمي.
وتستعد قاعات المجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا المصرية لاستقبال هذا المحفل البارز في الفترة من 28 إلى 30 يوليو القادم، لتتحول المنصات على مدار ثلاثة أيام إلى ساحات للحوار النقدى الرصين.
وقد جاءت خريطة التكريمات لتشمل قامات حفرت أسماءها في وجدان الطفولة، إذ يتشرف المؤتمر بحمل اسم رائد أدب الطفل العربي الكاتب الراحل عبد التواب يوسف، وكذلك تكريم الشاعر الكبير أحمد سويلم الذي يجمع بين منصة الرئاسة والتكريم الاستحقاقي، وتكريم الكاتب الكبير جار النبي الحلو من جيل الرواد المبدعين، و تكريم اسم الشاعر الراحل سمير عبد الباقي الباقي بأثره الإنساني والشعري، مع إحتفاء خاص ببعض دور النشر الوطنية التي دفعت بعجلة الثقافة التربوية إلى الأمام.
وفي تقليد فكري وفلسفي جديد يستنه المؤتمر بدءاً من هذه الدورة، وتأكيداً على وحدة النسيج الثقافي العربي وتكامل أطروحاته في مواجهة التحديات الفكرية الحديثة، تقرر تخصيص تكريم سنوي لكاتب أو باحث عربي، ويمثل مكرم هذه الدورة الباحث والناقد الجزائري الكبير الأستاذ الدكتور العيد جلولي، في إشارة بليغة إلى عمق الروابط الأكاديمية بين المشرق والمغرب العربي في مجال نقد أدب الطفل، وولد البروفيسور العيد جلولي في 9 ديسمبر 1961 بمحافظة توقرت بالجنوب الجزائري، حيث تلقى فيها مراحل تعليمه الأولى قبل أن يلتحق بجامعة الجزائر لينال منها شهادة الدكتوراه، ويتدرج في السلك الأكاديمي حتى رقي إلى مرتبة أستاذ التعليم العالي (بروفيسور) منذ عام 2011.
وقد شغل جلولي مناصب علمية وثقافية رفيعة، حيث عمل أستاذاً للأدب العربي وأدب وثقافة الأطفال والفتيان بجامعة ورقلة بالجزائر، وعميداً سابقاً لكلية الآداب واللغات بها، كما أنه عضو بالمجمع الجزائري للغة العربية التابع لرئاسة الجمهورية، ويشغل منصب الأمين العام للمنظمة الجزائرية لرعاية الطفل والأسرة، فضلاً عن كونه محافظاً للمهرجان الثقافي الدولي للأدب والكتاب والشعر، وتتنوع إسهاماته الفكرية بين المؤلفات الفردية والكتب الجماعية والجوائز الدولية، وسيرته تسرد هذا الثراء المعرفي.
قدم للمكتبة العربية سلسلة من الدراسات العميقة حول أدب الطفل، منها كتاب “النص الأدبي للأطفال في الجزائر: دراسة تاريخية فنية” (2003)، وكتاب “النص الشعري الموجه للأطفال في الجزائر” (2008)، وكتاب “قصص الأطفال بالجزائر” (2013)، ولم تتوقف حدوده النقدية عند الجغرافيا الجزائرية، بل امتدت لتشمل تونس في كتابه “دراسات نقدية في أدب الطفل التونسي” (2019) الصادر عن منشورات جائزة مصطفى عزوز، وكتاب “دراسات في أدب الأطفال” (2025)، إضافة إلى كافيه الشامل “تاريخ أدب الطفل العربي” (تحت الطبع)، وكتاب “أدب الأطفال من خلال النصوص” (2023).
كما شارك برؤاه السياسية والحقوقية والجمالية في عدة مؤلفات مشتركة، من أبرزها بحثه حول “الحقوق المدنية والسياسية في أدب الطفل العربي” ضمن كتاب حقوق الإنسان الصادر عن جامعة قطر (2022)، كما ساهم في دراسة “أدب الخيال العلمي العربي الموجه للأطفال واليافعين” الصادر عن اتحاد كتاب مصر (2025)، وبحثه “المنجز النقدي في أدب يعقوب الشاروني” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب (2023)، إلى جانب مشاركاته في كتاب “رسائل عربية” بفلسطين، وكتاب “ديوان السرد القطري” بوزارة الثقافة القطرية (2025)، وقد تُوجت مسيرته الحافلة بالعديد من التقديرات الدولية، أبرزها حصوله على جائزة عبد الحميد شومان لأدب الأطفال بالأردن (دورة 2010)، ونيله جائزة المؤتمر الدولي للغة العربية بدبي (2015) كأحد أفضل عشرة بحوث مقدمة للمؤتمر.
إن تكريم الأستاذ الدكتور العيد جلولي في القاهرة، ومن إحدى أعرق منصاتها الثقافية، ليس مجرد احتفاء بروتوكولي، بل هو استحقاق فلسفي يرسخ فكرة أن “الوعي العربي كل لا يتجزأ”، وفي عصر الذكاء الاصطناعي الذي يهدد بتنميط العقول وعولمة الخيال، يصبح النقد الأكاديمي الرصين الذي يقوده جلولي وزملائه بمثابة حارس البوابة لحماية الذات الحضارية للطفل العربي، كما إن هذا المؤتمر يبرهن على أن مجابهة الاغتراب الرقمي لا تكون بالانكفاء، بل بصناعة نص إبداعي ونقدي يملك أصالة الجذور ومرونة المستقبل، ليبقى خيال الطفل العربي حراً، ومحصناً، وممتداً بين المشرق والمغرب.

Average Rating